زوارنا اليوم


web counter

About Me

صورتي
الدكتورة سهيلة زين العابدين حماد
الرياض, الرياض, Saudi Arabia
عرض الملف الشخصي الكامل الخاص بي

عدد زوار المدونة اليوم

إرشيف المقالات

حديث الذكريات

كلمة الدكتورة سهيلة في الخطاب الإسلامي (1)

كلمة الدكتورة سهيلة في الخطاب الإسلامي 2

الجمعة، 26 أكتوبر 2018

postheadericon أبجديات القضية الفلسطينية تأليف سهام زين العابدين حمّاد تقديم د. سهيلة زين العابدين حمّاد الجزء الأول أبجديات القضية






تأليف
سهام زين العابدين حمّاد
تقديم
د. سهيلة زين العابدين حمّاد

الجزء الأول
أبجديات القضية



                      تنويهنُشرت بعض موضوعات هذا الكتاب في جريدة المدينة خلال عام 2018م

فهرس الموضوعات
إهداء.
مقدمة المؤلفة.
تقديم الدكتورة سهيلة زين العابدين حمّاد.
تمهيد     .
       الفصل الأول : وعد بلفور
الصهيونية!
وعد بلڤور... كيف تحقّق؟
 إسرائيل والتطهير العرقي للفلسطينيين!
    الفصل الثاني :لمَ القدس الكبرى؟
تمهيد.
مشروع غزّة الكبرى أم إسرائيل الكبرى؟
المرابطون
المقدسيون... ولنتعلَّم منهم كيف يكون الرباط؟
لِمَ القدس الكبرى؟
ترمب ! ومشروعه صفقة القرن!
حجم التّحدّيات التي يواجهها المقدسيون إثر قرار ترمب بشأن القدس ؟!
    آثار قرار ترمب بشأن القدس:
أولًا: قانون القومية اليهودية العنصري.
ثانيًا : الخان الأحمر من قضية شعب إلى قضية أُممية.
 ثالثًا: الخطّة المُعَدّة للمهّجرين الفلسطينيين بعد أمركتهم.
رابعًا :إتباع الحكومة الإسرائيلية إجراءات أخرى للتهويد.
كيف رد الفلسطينيون على ترمب؟
مكر ترامب أم مكر خالقه؟
ترمب و...الهُويّة الفلسطينيّة!
     الفصل الثالث: منظمة الأنروا.
تاريخ تأسيسها.
تمويلها .
مهامها.
أوجه إنفاق أموالها.      
الفرق بين الأونروا والمفوضية السامية. 
كيف تكوّنت الأونروا؟
تعريف اللاجئ الفلسطيني.
موقع اللاجئين في الأجندتيْن الأمريكية والإسرائيلية.
الأعمال التمهيدية لتهجير الفلسطينيين.
تنفيذ جريمة التهجير.
حق العودة لللاجئ الفلسطيني!
الأونروا بين الواقع والمحافل الدوليَّة!
كيف رد الإتحاد الأوربي على قرار ترمب بشأن الـ"الأونروا؟
ترمب… والهوية الفلسطينية.
الأعمال التمهيدية لتهجير الفلسطينيين.
تنفيذ جريمة التهجير.
حق العودة لللاجئ الفلسطيني!
الأونروا بين الواقع والمحافل الدوليَّة!
كيف رد الإتحاد الأوربي على قرار ترمب بشأن الـ"الأونروا؟
ترمب… والهوية الفلسطينية.
 الفصل الرابع : العرب في مناهج التعليم في إسرائيل
العرب في مناهج التعليم في إسرائيل.
مراحل التعليم اليهودي.
أسس التعليم الصهيوني.
تهويد الناشئة العرب.
المناهج الإسرائيلية تحض على العنف والتطرف.
شبابنا بين الإلحاد والإرهاب!
ماذا تعلَّمتُ من دراستي للتاريخ؟
الفصل الخامس: (كنتم خير أمَّةٍ أخرجتْ للناس)
تمهيد.
العلوم القديمة.
الكيمياء.
الفلك والرياضيات.
الطب  .
الفيزياء.
الموسيقى.
سرقة أرض أم أيضًا سرقة تاريخ؟
الفصل السادس  :المقاومة الفلسطينية المسلحة بعد 1948
المقاومة الفلسطينية المسلحة بعد 1948.
تطور حركة المقاومة بعد حرب 1967م.
تحوّل الضفة الشرقية لنهر الأردن إلى أكبر منطقة انطلاق للمقاتلين الفلسطينيين.
المقاومة الفلسطينية بعد اتفاقية كامب ديفيد.
الانتفاضة.
الفصل السابع :  المقاومة الشعبية
  المقاومة الشعبية.
عهد التميمي رمز المقاومة الشعبية.
كيف تكوَّنت الروح الوطنية والنضالية لدى عهد التميمي؟
عهد التميمي وصاحب چيڤارا.
عهد التميمي أيقونة الطفولة والبطولة والجمال!
عهد التميمي سفيرة النوايا الحسنة !
إطلاق سراح عهد التميمي.
خاتمة.
الجزء الثاني: الوثائقي
ملاحق توثيقية
ملحق رقم (1) نصوص توراتية تثبت وتؤكد أنّ فلسطين أرض كنعان، وأنّ الكنعانيين (الفلسطينيين) أوّل من سكن فلسطين قبل خمسة آلاف سنة.
ملحق رقم (2)نص وعد بلوفر.
ملحق رقم (3) نصوص صك الانتداب البريطاني على فلسطين.
ملحق رقم (4) القرار (194).
ملحق رقم (5) نص قانون القومية اليهودية.
ملحق رقم(6) الكلمة التاريخية للرئيس الفلسطيني محمود عبّاس في الأمم المتحدة في دورتها (73) في 27 سبتمبر 2018م.
ملحق رقم (7) خرائط  وثائقية
1.    خريطة وثائقية تثبت أنّ الكنعانيين(الفلسطينيين) هم أوّل من سكن أرض فلسطين.
2.    فلسطين في عهد الكنعانيين.
3.    خريطة اتفاقية سايكس بيكو. كانت مرفقة ضمن رسالة بول كامبون إلى السير إدوارد غراي، 9 مايو عام 1916م.
4.    خريطة اتفاقية سايكس بيكو التي تقاسمت فيها إنجلترا وفرنسا البلاد العربية إثر ضعف الدولة العثمانية.
5.    خريطة فلسطين طبقًا لقرار عصبة الأمم رقم (181) الصادر عام 1947م.
6.     خريطة إسرائيل الكبرى توضح أطماع إسرائيل في الدول العربية المجاورة لها.
7.    خريطة تقسيم سوريا والعراق طبقًا لمخطط المستشرق اليهودي البريطاني الأمريكي برنارد لويس.
8.    خريطة تقسيم مصر طبقًا لمخطط المستشرق اليهودي البريطاني الأمريكي برنارد لويس.
9.    خريطة تقسيم شبه الجزيرة العربية طبقًا لمخطط المستشرق اليهودي البريطاني الأمريكي برنارد لويس.
10.                   خريطة تقسيم دول المغرب العربي طبقًا لمخطط المستشرق اليهودي البريطاني الأمريكي برنارد لويس.
11.                   خريطة تقسيم إيران  وباكستان وأفغانستان طبقًا لمخطط برنارد لويس.
ملحق رقم(8) صور وثائقية
الآثار العربية الكنعانية في فلسطين.
1.    من الآثار الكنعانية في فلسطين(أ) ، (ب) ، (ج) ، (د) ، (ه).
2.    من الآثار الكنعانية في بيسان(أ)، (ب).
3.    مدينة الظاهرية الغنية بالآثار.
4.    من آثار الكنعانيين في الظاهرية.
5.    مبنى الخوخة في البلدة القديمة بمدينة الظاهرية بعد الترميم.
6.    البلدة القديمة بمدينة الظاهرية بعد الترميم.
7.    حمّامات شعبية للكنعانيين.
8.    حائط البُراق (أ) ، موقع حائط البُراق وباب المغاربة(ب).
9.    من سور المسجد الأقصى.
10.                   المسجد الأقصى الذي باركنا حوله .
11.                   التفاف المقدسيين حول المسجد الأقصى، ورباطهم عنده.
12.                   بقايا جدران شكيم ( نابلس).
13.                   خان التجار القديم بنابلس.
14.                   برج وبلدة السموع قرب الخليل.
15.                   التعريف ببرج السموع.
16.                   أحد أزقة صفد القديمة.
17.                   بيت لحم (البلدة القديمة).
18.                   جانب من أزقة البلدة القديمة للقدس.
19.                   دخول جنود الانتداب البريطاني للقدس عام1917م.
20.                   شعار المرابطين في الخان الأحمر.
21.                    قرار وقف دعم الأونروا.
22.                   دعم الاتحاد الأوروبي للأنروا.
ملحق رقم(9)خواطر فلسطينية وطنية للمؤلفة:
يا قدس!
أقصانا لا تحزن!
يا قدس كم تكلَّمتْ أرضك بالعربي!
مبروك …  يا فخر العرب!

******
بسم الله الرحمن الرحيم
إهداء
 على الرغم أنِّي لستُ فلسطينية إلاَّ أنَّني أشعرُ كأنَّ فلسطين تسكنُ داخلي وتستقرُّ في كياني . فأنا لستُ فقط مُتعاطفة مع القضيّة الفلسطينية , بل أجد نفسي مُتفاعلة مع كل حبة رمل على هذه الأرض الحبيبة الغالية .
أية نسمة عليلة تمرُّ بأجوائها تُنعشني ، وجرحها يؤلمني , وحين تمُرُّ بها ريح تعصفُ بحرِّيتها , تُزلزل كياني !.
حين كنتُ طفلة كانت القضية الفلسطينية هي القضية العربية الكبرى ، وهي القضية الأم . فكنتُ منذ طفولتي أتابع نشرات الأخبار والتعليق عليها - في إذاعة صوت العرب - وكان التعليق بمثابة تحليل للحدث الأهم في نشرة الأخبار وأتابع خطب الرؤساء وأتناقش في ذلك مع الكبار . لم تكن تجذبني قط برامج أو مجلات الأطفال ولم أتذكر قط أنِّي لعبتُ يومًا بعروسة كما يفعل الصغار، إنَّما كنتُ أقرأ المجلات السياسية كالمصوَّر وآخر ساعة ومجلة العربي الشهرية الكويتية التي تحتوي على كتابات وبحوث لأشهر الكتاب العرب ، إلى جانب المجلات الفنية .
لذا تربَّى وجداني على الانتماء الوطني العربي وبمنتهى القوة . وبحكم اغتصاب الأراضي الفلسطينية ففلسطين جذبت جُلَّ اهتمامي .
لذا حين أكتبُ عن فلسطين لا أسطِّرُ مجرَّد كلمات أو عبارات وإنَّما أسطِّرُها بدموعي ومشاعري وكياني.
وما أكتبه الآن عن القضية الفلسطينية لم يكن إلاٌ كردَّة فعل قويَّة على إعلان ترمب لمشروعه اللعين "صفقة القرن ". فأجد من الواجب عليّ مشاركة إخوتي من أبناء فلسطين الغالية في محنتهم التي أعتبرها محنة عربية بالدرجة الأولى وليست فقط محنة فلسطينية . فإسرائيل هي خنجر غُرِس في قلب كل عربي والذي لا يشعر بهذا فهو جسد بلا روح وبلا إحساس .
في كنف الله وحفظه ووداعته ورعايته يا فلسطيننا الحبيبة الغالية, بقدسك بأرضك بسماك بأهلك بناسك بكل شعبك , بكل حبة رمل على أرضك الطاهرة المباركة.
يُسعدني ويُشرفني أن أهدي هذا الكتاب للشعب الفلسطيني الصامد في أرض الرباط ، وللأجيال القادمة من أبناء فلسطين خاصة والبلاد العربية عامة.
******
                                                بسم الله الرحمن الرحيم
مقدمة  المؤلفة
   الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
      أمّا بعد
    ما يقلقني الآن مصير كتابي أبجديّات القضية الفلسطينية.
لم أُفكّر من قبل ممارسة العمل الكتابي على الإطلاق، وإنّما تصريحات ترامب بخصوص القدس هزّت كياني وزلزلت وجداني لدرجة الإسهاب في البكاء وعدم القدرة على النّوم . فما كان بوسعي إلاّ أن أفرغ ما بداخلي إلى عمل إيجابي يخدم القضية الفلسطينية، ويكشف للعالم المؤامرة الدولية التي تعرّض لها الشعب الفلسطيني، مستندةً في كل معلومة على وثائق تاريخية وأبحاث لليهود أنفسهم في مجال علم الآثار والمناهج الدراسية الإسرائيلية ، وأقوال لحاخامات يهود مستندين على ما جاء في التّوراة غير المُحرّفة، تُثبت أنّ لا صلة لليهود بفلسطين وليس لهم الحق في شبر منها ، بل أنّه مُحرّم عليهم أن تطأ أقدامهم مدينة القدس، مُعبّرين عن ذلك بقولهم " إنّ إقامة دولة يهودية هي ضد الله" أي أنّ الله يُحرّم عليهم إقامة دولة يهودية.
  مؤامرة دولية سلبت أرض فلسطين من أصحابها الحقيقيين لتهبها لليهود دون وجه حق، وذلك خدمةً لمصالح تلك الدول.
   أملي  أن يتبنّى فخامة الرئيس "كتابي هذا بالطبع والنّشر وترجمته إلى لغات عدّة وتوزيعه على النّطاق الفلسطيني والعربي والعالمي وتزويد ملوك ورؤساء دول وسفارات العالم جميعًا بنسخ منه .، وأن يُقرر ضمن المناهج الدراسية للمرحلة المتوسطة في جميع الدول العربية والإسلامية
هذا العمل يتطلّب جهدًا جبّارًا ، ليس بالإمكان أن يتمّ بجهد فردي .
لذا فإنّ من أهداف الكتاب  الآتي:
1.    تقرير الكتاب ضمن مناهج التعليم في فلسطين خاصة ، وفي البلاد العربية والإسلامية عامة  لتظل القضية الفلسطينية حيَّة في ذواكر ووجدان شبابنا، فكتاب" أبجديات القضية الفلسطينية" يُلخٌص القضية منذ صدور وعد بلفور عام 1917م  إلى وقتنا الحالي بطريقة مُركزّة ومُبسّطة بحيث يستوعبها القارئ أيًّا كان سنّه ، وأيًّا كان مستواه العلمي.
2.   تكوين رأي عام دولي سليم حول القضية الفلسطينية من خلال ترجمة هذا الكتاب إلى مختلف لغات العالم، وتوزيعه على قادة وزعماء العالم وسفارات دولهم والمنظّمات والمؤسسات الدولية والحقوقية .        
3.   بيان بُطلان دعاوى اليهود الصهاينة بحقهم في فلسطين والقدس ، وذلك من خلال نصوص توراتية في العهد القديم[1]، وآيات من القرآن الكريم [2]، وشهادات علماء آثار إسرائيليين، وحقائق تاريخية، وعروبة أسماء المدن الفلسطينية، وآثار تمتلئ بها المدن الفلسطينية.
4.    دحض مقولة اليهود الصهاينة بأنّ " فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا أرض[3]"  بإثبات أنّ الكنعانيين( الفلسطينيين كما ورد في الإصحاح 21 آية 34) هم أوّل من سكن فلسطين قبل خمسة آلاف سنة، وتعاقب الحضارات عليها،  وغناها بتلك الآثار، طبقًا لما ذكرته   وزارة السياحة والآثار الفلسطينية  بإنّ فلسطين تضم ما يقارب الـ 11 ألف موقعًا ومعلمًا أثريًا، منها ما يقارب 7000 موقعًا في الأراضي المحتلة عام 1967، إلى جانب 50 ألف مبنى من المباني التّاريخية والتُّراثية.
5.    كشف المؤامرة الدولية لاحتلال اليهود الصهاينة لفلسطين ، وإقامة دولتهم على أرضها لتحقيق مصالحهم من خلالها ۔ فكان  وعد بلفورعام 1917م ، وفي نفس العام صدر قرار عصبة الأمم بفرض الانتداب البريطاني على فلسطين لتمكين اليهود الصهاينة من إعلان قيام دولة إسرائيل والتطهير العرقي للفلسطينيين بتهجيرهم ، واستيطان اليهود مكانهم، ويشهد على هذه المؤامرة الدولية مجريات الأحداث  الراهنة  في المنطقة العربية ، وفي قرارات الرئيس الأمريكي ترامب بشأن القدس وصفقة القرن ، وما يترتب عليها .
6.    كشف المشاريع الخطيرة (غزّة الكبرى، والقدس الكُبرى ، وصفقة القرن)التي تهدف إلى تهويد فلسطين بالكامل، وتصفية القضية الفلسطينية ، والقضاء على الهُوية الفلسطينية.
7.    كشف استثمار اليهود الصهاينة لورود أسماء المدن الفلسطينية العربية الكنعانية في التوراة ، والادعاء أنّها أسماء عبرية.۔ كاسم أورشاليم(القدس) مع ورود اسم القدس في سفر إشعياء:48/ 2.
8.    رصد وتدوين الأحداث الجارية في الأراضي الفلسطينية المحتلة ، وما يتعرّض له الفلسطينيون فيها من جرائم سلطات الاحتلال الإسرائيلي من قبل مؤرخة شاهدة عيان.




[1] . سفر التكوين: 21: 34، و37: 1، 35: 27.

[2] . المائدة: 26.
[3] .  وفي هذه المقولة إقرار من الإسرائيليين أنّه لا وطن لهم.
أنا على يقين أنّ هذا الكتاب سيخدم القضية بتوعية الأجيال المعاصرة فلسطينيًا وعربيًا وعالميًا . ليس بعيدً "وهذا ما أتمنّاه" أن يكون هذا الكتاب الشعرة التي تقصم ظهر البعير .
ما جاء فيه حقائق لا لبث فيها تُدحِّضُ كل الادّعاءات الصهيونية الباطلة المعتمدة على الافتراءات
والتزوير وسرقة التاريخ والتراث، وكل ما يخصُّ فلسطين .

ابنة المدينة المنورة 
سهام زين العابدين حمّاد
حُرِّر في الرياض 11 صفر 1440 الموافق 20/10/2018م
بسم الله الرحمن الرحيم

 
تقديم : الدكتورة سهيلة زين العابدين حمَّاد وتعريفها بالكتاب
الحمد لله ربّ العالمين، والصلاة والسّلام على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
      أمّا بعد
     من المؤسف أنّ الغالبية العظمى من شبابنا باتوا يجهلون القضية الفلسطينية ، بل باتوا يجهلون أبسط المعلومات عنها، وهذا ما يشكّل خطرًا عليها ؛ إذ ينبغي أن تظل حيَّة في ذواكر ووجدان شبابنا، وكتاب" أبجديات القضية الفلسطينية" الذي  بين أيدينا  يُلخٌص القضية منذ صدور وعد بلفور عام 1917م  إلى وقتنا الحالي بطريقة مُركزّة ومُبسّطة بحيث يستوعبها القارئ أيًّا كان سنّه ، وأيًّا كان مستواه العلمي، فمؤلفته تتميز بأنّ لديها القدرة على الاختصار دون الإخلال بالمعنى، وتوصيل المعلومات بعد تبسيطها، فلها تجارب ناجحة في التدريس  لطالبات المرحلتيْن الإعدادية والثانوية في مادتي الجغرافيا والتاريخ ، وكانت نسبة نجاح طالباتها 100%، رغم أنّها لم تُحضِّر لهنَّ الأسئلة ، ولم تشارك في تصحيحها -لظروف صحية قاهرة -، فقد تفوّقت على من لديهنَّ خبرة في التدريس أكثر من 25 سنة، وهذا بشهادة الموجّهات التربويات. 
 وممَّا يُثير الدهشة، أنّه كان من ضمن طالباتها في أولى ثانوي طالبة رسبت في جميع المواد بما في ذلك المواد الدينية والأدبية ولم تنجح سوى  في التاريخ والجغرافيا اللتين كانتا من أصعب المواد ، فجغرافية أولى ثانوي كانت جغرافيا جيولوجية.
    لذا أقترح أن يُقرّر هذا الكتاب " أبجديات القضية الفلسطينية بجزأيه ( الأبجديات، والوثائقي) لمؤلفته الأستاذة / سهام زين العابدين حمّاد  للدراسة في مناهج المرحلة المتوسطة ، أو الثانوية ، أو الجامعية في البلاد العربية لتظل القضية الفلسطينية حية في ذواكر شبابنا جيلًا بعد جيل إلى أن يتم تحريرها من الغاصب المحتّل، فالكتاب قد حوى على معلومات قد تخفى عن بعض المختصين في التَّاريخ، كتطرقه في التمهيد إلى أمر غاب عن كثير من المؤرخين ، وهو أنّ احتلال فلسطين ، وخضوع سائر البلاد العربية للاستعمار البريطاني والفرنسي والإيطالي والاسباني من نتائج الحكم العثماني؛ إذ جاء  في التمهيد الآتي: " نظرًا للتَّفوُّق العسكري الهائل  للدولة العثمانية تمكَّنت من ضمّ معظم البلاد العربية تحت رايتها وللأسف حين حكمت هذه المنطقة في بداية القرن السادس عشر الميلادي تجاهلت تمامًا أهمية هذه المنطقة، وأنَّها هي الدولة الإسلامية الأصل  وتجاهلت عراقتها التَّاريخية ، وأغفلت الجانب الثقافي والحضاري الذي تفرَّدت به شعوب هذه المنطقة ،واعتبرتهم مُجرَّد تابعين مُهملين ، وعطَّلت قدراتهم،  وفرضت عليهم العزلة عن العالم، فتوقَّفت الحركة العلمية في البلاد العربية، وانتشرت الأمِّية، بينما بدأت تزدهر الحضارة الأوربية القائمة على الحضارة العربية الإسلامية ،  وممّا زاد الحالة سوءًا في ولاياتها العربية أنّها جعلت السلطة مركزيَّة في أيدي العثمانيين الذين يفتقدون إلى الخلفية الحضارية والثقافية ، ويتبنُّون خلفية حربية توسعية سلطويَّة قائمة على البقاء للأقوى  عسكريًا . فقد يقتل الحاكم منهم أخيه أو ابنه للحفاظ على السلطة، ومع أنَّ معيار القوَّة لديهم هو القوَّة العسكريَّة إلاَّ أنَّهم أغفلوا هذا الجانب بالنسبة للبلاد العربية، فتركوها بلا جيوش مدرَّبة تحميها، مع وجود قوَّة عسكريَّة ضاربة من الجيش العثماني الذي استمر في التَّوسُّعات في أوربا ، وعندما ضعفت دولتهم ، أصبحت فلسطين فريسة للاحتلال الصهيوني وسائر البلاد العربية فريسة للاستعمار الأوروبي ."
  كما تطرّق الكتاب إلى قضية جد هامة ، وهي  التطهير العرقي للفلسطينيين - خلال فترة الانتداب البريطاني (1917- 1948)عندما قيام الدولة الصهيونية اليهودية(إسرائيل) - الذي ينفي عن الفلسطينيين ما وُجِّه إليهم من اتهامات بيع أراضيهم لليهود لتشويه سمعتهم، ونفي عنهم ولاءهم لوطنهم وأراضيهم، وكذلك تطرقه إلى القدس الكبرى والمخطط الصهيوني الإسرائيلي الذي يهدف إلى تغيير الديمغرافية السكانية للقدس لتهويدها، وكذلك تطرَّقه إلى مشروع ترمب "صفقة القرن " وبيان خطورة هذا  المشروع على القضية الفلسطينية،  كما تطرّق الكتاب إلى صورة العرب في مناهج التعليم الإسرائيلية، وإلى بث العنصرية والتطرّف والكراهية للعرب في مناهجها الدراسية، إضافة إلى تطرقه إلى منظمة الأونروا : نشأتها ودورها وعجزها في تأمين أبسط احتياجات اللاجئين الفلسطينيين من مأوى وعلاج وتعليم، كما تطرّقت إلى المقاومة الفلسطينية المسلحة، مع تخصيصها فصلًا عن المقاومة الشعبية مع القاء الضوء وبشكل مركَّز على مقاومة الطفلة البطلة عهد التميمي!
التعريف بالكتاب
فتناولت المؤلفة في الفصل الأول وعد  بلفور" عام 1917م بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين ، والذي كان وراء نكبة الشعب الفلسطيني واغتصاب أرضه ووطنه ، وتعريضه للقتل والأسر والاعتقال  والتشريد والتهجير مبينة الخطوات التي اتبعت لتنفيذه، ومن أخطرها التطهير العرقي للفلسطينيين ۔ واحلال محلهم يهود من كل أنحاء العالم، كما نجدها ركزّت في هذا الفصل على التعريف بالصهيونية.
  أمّا الفصل الثاني ، فهو بعنوان " لِمَ القدس الكُبرى؟ " تحدّثت فيه المؤلفة عن  مشاريع " غزّة الكبرى ، و" القدس الكبرى" و" صفقة القرن"  لتمكين إسرائيل من احتلال كامل أرض فلسطين وتهويدها، تمهيدًا لإقامة دولة إسرائيل الكبرى التي تمتد من النيل إلى الفرات ،  ومن الأرز إلى النخيل، مع بيان حجم التّحدّيات التي يواجهها المقدسيون خاصة  والفلسطينيون عامة إثر قرار ترمب بشأن القدس، والمُتمثِّلة في:
أولًا: موافقة الكنيست على قانون القومية اليهودية العنصري الذي  يُشَرعِن كل مُمارسات إسرائيل العنصرية والاستعمارية، ويُحوّل  أصحاب البلاد إلى رعايا وليسوا مواطنين، كما يحرمهم من حق تقرير المصير، أو أيّة حقوق جماعية شرعية، ويُنهي  أيّ احتمال لقيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة، وينتهك  منظومة قانون الدّولة التي ترتكز على مبادئ المساواة أمام القانون وسيادته، ويمثّل هذا القانون انتهاكًا للقانون الدّولي؛ إذ يقوم على ضم الأراضي والتّمييز وفرض الهوية على السكان بالاستيطان والطرد والتّهجير، فيُعتبر هذا القانون  نكسةً قانونيةً وضربةً قاضيةً للقانون الدّولي.
ثانيًا : قرار المحكمة الإسرائيلية العليا بهدم قرية  الخان الأحمر بهدف إجهاض قيام دولة فلسطينية مستقبلاً، بقطع الأراضي الفلسطينية ومنع التّواصل الجغرافي بينها، وربط المستوطنات اليهوديّة بعضها ببعض لمحاصرة القدس بالكامل بها من جميع الجهات ؛ بحيث لا يستطيع الفلسطينيون اختراق هذه المستوطنات للوصول إلى القدس ،  وبناء أحياء يهودية داخل أحياء عربيّة لِيَتَحَقّقَ مُحاصرتها وإعطائها الصّبغة اليهوديّة، فالخطّة الاستيطانيّة الإسرائيليّة تسير بتوسع غير مسبوق، وما حقّقته في السّنة الأخيرة يفوق عشرة أضعاف ما تمّ في التّسعينات.  فعدة قرى مُهدّدة بالإزالة مثل قرية الخان الأحمر المتواجدة قبل الاحتلال .
ثالثًا: الخطّة المُعَدّة للمهجّرين الفلسطينيين بعد أمركتهم ، بهدف تصفية القضية الفلسطينية بإخراج القدس واللاجئين من مفاوضات الحل النهائي؛ لذا حرص ترمب على تصفية الأونروا الداعمة للاجئين الفلسطينيين بهدف تصفية القضية نفسها. بل يريد أيضًا القضاء على الهوية الفلسطينية، إمّا بتهويدها فكريًا داخل فلسطين المحتلة، أو إذابة الشخصية الفلسطينية داخل المجتمعات التي تعيش فيها، عن طريق توطينهم ودمجهم فيها ، ولكي يدفع ترمب بجميع دول العالم على تنفيذ ما يريد، بدأ بنفسه ووقّع مرسومًا تنفيذيًا بشأن  استقبال الفلسطينيين المُهّجرين إلى  الولايات المتحدة وتجنيسهم بالجنسية الأمريكية.
رابعًا: اتباع أسلوب العنف والإرهاب والقتل وإقامة المجازر لسكان الضفة ، عن طريق إعطاء رخص سلاح للمستوطنين اليهود في الضفة، بهدف ترحيل وتهجير الفلسطينيين من جديد . يريدون بذلك أن يعيدوا لأذهاننا ما حدث أثناء الانتداب  البريطاني من تطهير عرقي وتهجير للفلسطينيين.
خامسًا: تحفيز سلطات الاحتلال على مضاعفة أعمال هدم منازل الفلسطينيين، ومحاربة المزارعين بمنعهم من الوصول إلى حقولهم بوضع العراقيل والحواجز، وتسليط الغازات الخانقة عليهم في مزارعهم، وتدمير أشجار الزيتون الكبيرة، وتجريف الأراضي الزراعية، والاستيلاء عليها لإقامة آلاف المستعمرات بهدف استقطاب أعداد جديدة من يهودي العالم، وتحفيز المستوطنين على طرد الفلسطينيين من منازلهم للاستيلاء عليها، وسرقة ثمار الزيتون ، وكذلك سرقة  ألوف شتلات الزيتون.

سابعًا : توسعة حائط البراق على حساب الأراضي الفلسطينية.
هذه بعض التحديات التي تواجه الفلسطينيين عامة والمقدسيين خاصة إثر قرار ترامب بنقل سفارة أمريكا إلى القدس وإعلانها عاصمة أبدية لإسرائيل بموجب صفقة القرن.
 ونظرًا لاتخاذ الرئيس الأمريكي قرارًا بتصفية الأونروا لتصفية قضية اللاجئين لإجبار الفلسطينيين القبول بصفقة القرن رأت المؤلفة تخصيص الفصل الثالث للأونروا تضمن تعريفها، وتاريخ تأسيسها، وتمويلها، وبيان مهامها، وأوجه إنفاق أموالها، مع توضيح الفرق  بين الأونروا والمفوضية السامية، ثمّ بيّنت كيف تكوّنت الأونروا؟، وتعريف اللاجئ الفلسطيني، وبيان موقع اللاجئين في الأجندتيْن الأمريكية والإسرائيلية، والأعمال التمهيدية لتهجير الفلسطينيين، وكشفت عن تنفيذ جريمة التهجير، ثُمّ تحدّثت عن حق العودة لللاجئ الفلسطيني! كما تحدّثت المؤلفة عن واقع الأونروا وموقف المحافل الدوليَّة منها، وكيف رد الإتحاد الأوربي على قرار ترمب بشأنها ، وختمت الفصل بموقف ترمب من الهُوية الفلسطينية الذي ينعكس في قراراته التي تهدف إلى تقويض الهوية الفلسطينية  وتصفيتها.
 أمّا الفصل الرابع فقد خصّصته المؤلفة عن صورة العرب التي رسمتها وزارة التعليم  لحكومة الاحتلال في مناهج التعليم في إسرائيل، مبينة مراحل التعليم اليهودي، وأسسه، فمناهجهم تحث على التطرف والعنف ضد العرب  وكراهيتهم ،  وتصويرهم بصور قبيحة، كما تهدف إلى تهويد الناشئة العرب.
أمّا في بحث المؤلفة عن "شبابنا بين الإلحاد والإرهاب" فقد كشفت عن مخطط (360) درجة، الذي أعدته المخابرات الإسرائيليَّة والأمريكيَّة للوصول إلى عقول أبنائنا عن طريق متابعتهم على السُّوشيال ميديا، فتتعرَّف أولاً على شخصيَّاتهم ، وميولهم وطريقة تفكيرهم للسيطرة على عقولهم . فمن وجدتهم ممَّن يميلون إلى التفكير العلمي، وانتماءاتهم الدينيَّة ضعيفة، أعدَّت لهم برنامجًا خاصًّا يوصلهم إلى الإلحاد، ومن تجد منهم انتماءهم الديني قويًّا، أعدَّت لهم برنامجًا خاصًّا يوصلهم إلى التَّطرُّف الشديد والإرهاب كداعش ومن على شاكلتها ، وذلك عن طريق مُخطَّط أسمته 360 درجة . وتقصد به إعادة برمجة تفكير عقول أبنائنا بمقدار 360  درجة في كل ما سبق أن تلقُّوه من علوم التاريخ والجغرافيا والعلوم الدينيَّة ...وكل ما لديهم من قناعات سابقة ،وذلك عن طريق دورات تُقيمها لتلتقي بالمُتميِّزين منهم لتجنيدهم لنشر الإلحاد و التطرُّف والإرهاب . ويكون هناك اتصال مباشر ومستمر معهم عن طريق السُّوشيال ميديا لتزويدهم بكل ما يمكِّن لإسرائيل السيطرة على عقولهم.
 هذا وقد ختمت الفصل ببيان أهمية دراسة التاريخ من خلال تجربتها الخاصة في استفادتها من دراسته.
 أمّا الفصل الخامس:فقد ردّت فيه على مزاعم اليهود الصهاينة المحتلين بأنّ أرض فلسطين وطن بلا شعب ، وأنّ الشعب الفلسطيني شعب متخلف، فقد تضمّنت  الدِّراسة التي أعدَّها الباحث الإسرائيلي إيلي بوديا المحاضر في جامعة حيفا تحليلًا دقيقًا موثَّقًا للكتب التعليمية الإسرائيلية على مدى أربعين عامًا وتشمل ستين كتابًا وتُضيف الدراسة أنَّ كتب التعليم الإسرائيليَّة قادت إلى تكوين فكرة مسبقة لصورة العربي في ظل حالة الاغتراب وتطوُّر الصراع بين الشعبين وأوصاف "غشاش "و"متخلف" و" لص" هي جزء من صفات الصقت بالشخصيِة العربية في هذه المناهج التي وُضعت  على يد مؤلفين إمَّا أنّهم امتداد للصهاينة الحاقدين الكارهين لكل من هو عربي ومسلم ، وإمَّا أنَّهم لا يفهمون شيئَا عن العرب والمسلمين؛ لذا تضمَّنت كتب التاريخ معلومات مشوَّهة ومزوَّرة، وتذكر الدِّراسة قصَّة الاستيطان الإسرائيلية ،فتقول في كتاب رحلة مع المستوطنات الأولى للصفوف الدنيا  عن اللقاء الأول مع العرب الفلسطينيين في قرية عربية مجاورة:"  كان النَّاس نحيفين وجوههم صفراء والذباب يتنزه عليها دون أن يحاولوا طرده.. وكثير منهم كانوا عميانًا يمشون وهم يمسكون بأيدي بعضهم البعض يتحسسون طريقهم  في الظلمة، أمّا الأولاد فساروا حفاة وعيونهم مريضة وبطونهم منفوخة ،وآثار لسعات الحشرات بادية على أجسادهم ."وتتكرر الأوصاف التي تؤدى لنشوء الأفكار المسبقة عن العرب في عشرات الكتب، ويقول مؤلف الدراسة إنَّها جاءت من أجل تثبيت مقولة: «فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا وطن» .بينما تُظهر الدراسة كيف أنَّ العربي ظهر في هذه الكتب طوال فترة الصراع حتى عام 1948م على أنَّه إنسان ظالم ومعتدٍ، وأنَّ اليهود ظلوا ضحية ذلك.
 فكان رد المؤلفة في الفصل الخامس على تلك المزاعم الباطلة بأنّ الشعب الفلسطيني والعربي شعب حضاري، فبيّنت إسهامات العرب والمسلمين في الحضارة الإنسانية ، وتضمّن الرد في مسمى الفصل ۔ وصفه  عزّ وجل  للعرب والمسلمين في قوله تعالى (كنتم خير أمَّةٍ أخرجتْ للناس)
هذا فلقد  أنصف التاريخ العرب، فهذا البحث يُوَضِّح أنَّ الحضارة الغربية الحديثة قامت وبشكل أساسي على الحضارة العربية الإسلامية في كل  المجالات ، مثل : العلوم العسكرية، والعمارة والطب والصيدلة والفلك والرياضيات والزراعة ، واللغة والتكنولوجيا والكيمياء والفيزياء والجيولجيا وحساب المثلثات وعلم البصريات، والفن ، والموسيقى  وغيره، من القرن 11 إلى القرن 13، كما نهلت أوروبا المعرفة من الحضارة الإسلامية، وأصبحت مؤلفاتهم المترجمة إلي اللغات الأوروبية  تُدرّس في جامعاتهم حتى القرن الثامن عشر الميلادي .
ومن الجديد في هذا الفصل:
1.    أنّه بيّن تناقض اليهود الصهاينة في وصفهم العرب بأنّهم مُتخلِّفون ، وادعائهم أنّ  كل الحضارات التي مرَّت على هذه المنطقة كان لليهود دور فعَّال فيها" إذ  كيف يدّعون  أنَّ العرب مُتخلِّفون، وفي نفس الوقت يعترفون بقيام حضارات عربية عديدة قامت بالمنطقة العربية؟
2.    بيّن ما تحويه فلسطين العربية الكنعانية من إرث ثقافي وتراثي وتاريخي يعود تاريخه لأكثر من 5000 سنة[1]. وكان  لموقعها الجغرافي دور هام ومتميّز في هذا المجال ، نظرًا للعدد الهائل من المواقع الأثرية وتعدد الحضارات التي تعاقبت عليها، وطبقًا لما ذكرته   وزارة السياحة والآثار الفلسطينية  بإنّ فلسطين تضم ما يقارب الـ 11 ألف موقعًا ومعلمًا أثريًا، منها ما يقارب 7000 موقعًا في الأراضي المحتلة عام 1967، إلى جانب 50 ألف مبنى من المباني التّاريخية والتُّراثية . فكل ما يمر على دولة فلسطين هو جزء من التّاريخ والتُّراث الفلسطيني، ويعتبر رمزًا للهوية الفلسطينية، وأحد مقومات التّنمية السياحية فيها. كل هذا الثراء الثّقافي والتُّراثي التي تتمتع به أرض فلسطين، دفع الحركة الصهيونية على تأسيس " جمعية أبحاث أرض اسرائيل” عام 1913 للبدء بإجراء أبحاث حول الآثار، في محاولة للسّطو على التّاريخ عبر تزوير الأدلة التي تثبت أكذوبة الرواية الصهيونيّة، بأحقّيتهم في أرض فلسطين .وقد بدأت هذه الاعتداءات قبل عام 67، من خلال إجراء التنقيبات لربط التاريخ المزعوم بالاحتلال في فلسطين، حيث دمّر الاحتلال ما يقارب 450 قرية، ضمن سلسلة طويلة تهدف إلى جعل الشعب الفلسطيني بلا تاريخ ولا حضارة. كما تم تغيير معالمها إبان نكبة عام 1948، وشجّع ولا يزال على سرقة الآثار بطريقة غير مباشرة، من خلال تجنيد عصابات محليّة، وتهريبها من فلسطين"، حيث تم تهريب أكثر من مليون قطعة أثريّة منذ بداية الاحتلال. فقد قام الاحتلال على أكذوبة أرض الميعاد والأجداد وبنى روايته عليها، وحاول ولا يزال تزوير التّاريخ وتغيير المسمّيات، لربط المواقع الأثرية به، وإيجاد صلة مع كيانه بهدف تشويه التّاريخ ونسبته إليه عبر سرقة المقتنيات الأثرية.
  وممّا يؤكد على تزوير إسرائيل للتاريخ ما ذكرته الصحف الإسرائيلية  في شهر أكتوبر 2018م أنّ متحف التوراة في واشنطن أعلن أنّه تم فحص ما يسمى بمخطوطات البحر الميت التي مضى عليها أكثر من ألفي سنة ، و تبيّن أنّها مزوّرة !
3.    أنّه كشف عن حقيقة غابت عن الكثيرين، وهي أنّ بعض العلماء يؤكدون أنّ مقاطع الصولفيج (دو، ري، مي، فا، سول، لا، تي) مشتقة من نظام المقاطع العربي درر مفصّلات (دو، رر، م، فا، صا، لا، ت).
 أمّا الفصل السادس فقد خصّصته المؤلفة للمقاومة  الفلسطينية المسلحة بعد  1948 ، وتطورها  بعد حرب 1967م؛ إذ تحوّلت الضفة الشرقية لنهر الأردن إلى أكبر منطقة انطلاق للمقاتلين الفلسطينيين، كما تطرّقت إلى المقاومة الفلسطينية بعد اتفاقية كامب ديفيد، والمتمثلة في الانتفاضة.
 أمّا المقاومة الشعبية السلمية فقد خصّصت لها المؤلفة الفصل السابع والأخير ، استعرضت فيه باختصار المقاومة الشعبية مسلطة الضوء على الطفلة عهد التميمي كرمز للمقاومة الشعبية.
وفي خاتمة الكتاب أرادت المؤلفة تصحيح خطأً وقع فيه كثير من المؤرخين والمحللين السياسيين بوصفهم ردود فعل الفلسطينيين في الأراضي المحتلة لما ترتكبه إسرائيل من جرائم في حقهم بأنّه صراع؛ حيث تساءلت المؤلفة : كيف يكون صراعًا بين فئة تمتلك كلَّ الحقّ وتفتقرُ إلى القوَّة، وأخرى لا تمتلك أيَّ حقٍ، ولها كلَّ القوَّة؟
 ثمّ استطردت قائلة :"  من خلال قراءاتي عن القضيَّة الفلسطينية، كثيرًا ما أجد عبارة" الصراع الفلسطيني الإسرائيلي" فهل حقًا ما يجري بين الفلسطينيين والإسرائيليين يدخل في دائرة الصراع؟ بمفهومي للصراع وما يتَّفق مع العقل والمنطق، أنَّه يكون بين فئتين مُتقاربتين في الحقِّ والقوَّة . فهل هناك تعادلاً في الحقِّ  ما بين الفلسطينيين والإسرائيليين؟ وكيف يكون لإسرائيل الحقّ في الأراضي الفلسطينية، والفلسطينيون هم أوَّل من سكنها قبل خمسة آلاف سنة؟ كيف يكون لليهود الصهاينة الحقُّ  وهم قبل الانتداب البريطاني على فلسطين1922م، كان عددهم لا يزيد عن خمسين ألفًا، بينما عدد الفلسطينيين كان آنذاك يزيد عن 1،5مليونًا؟

أمّا الجزء الثاني الوثائقي ، فقد خصّصت فيه  ثمان ملاحق لتوثيق حق الفلسطينيين في فلسطين، والأحداث التي مرّت بها القضية الفلسطينية ، فملحق " نصوص توراتية " الذي يُثبت من خلال نصوص في العهد القديم ( سفر التكوين أولى أسفار العهد القديم) أنّ الفلسطينيين  أول من سكن فلسطين، وورود اسم الفلسطينيين في سفر التكوين " وتغرّب إبراهيم في أرض الفلسطينيين أيامًا كثيرة"[2]،يُثبت حق الفلسطينيين في فلسطين بدون أدنى شك، كما تحدّث سفر التكوين عن غربة إبراهيم وإسحاق  ويعقوب عليهم السلام في أرض كنعان ، ممّا يؤكد عدم وجود حق لليهود في فلسطين :"وسكن يعقوب في غربة أبيه إسحاق في أرض كنعان"[3]،" وجاء يعقوب إلى إسحاق أبيه إلى ممر قرية أربع، التي هي حبرون[4]، حيث تغرب إبراهيم وإسحاق"[5]، كما توجد نصوص توراتية ورد فيها اسم القدس، وممّا يؤكد على عروبة القدس،  ورود هذا الاسم على نحو ما هو وارد في التوراة "فَإِنَّهُمْ يُسَمَّوْنَ مِنْ مَدِينَةِ الْقُدْسِ[6] وَيُسْنَدُونَ إِلَى إِلهِ إِسْرَائِيلَ.رَبُّ الْجُنُودِ اسْمُهُ." [7]
أ‌.      "وسكن رؤساء الشعب في أورشليم، وألقى سائر الشعب قرعا ليأتوا بواحد من عشرة للسكنى في أورشليم، مدينة القدس، والتسعة الأقسام في المدن " [8]
ب‌.      تُفرِّق نصوص العهد القديم دائمًا بين صهيون – أو مدينة داود – وأورشليم القدس [9]: " سبحي يا أورشليم الرب. سبحى إلهك يا صهيون" [10]"
 وتعترف أسفار العهد القديم ذاتها بعدم عبرانية ويهودية المدينة في خطاب حزقيال لأورشليم: " هكذا قال السيد الرب لأورشليم :مخرجك ومولدك من أرض كنعان، أبوك أموري وأمك حثية"[11]، كما خصّصت المؤلفة:
ملحق رقم (2)  لنص وعد بلوفر بإقامة وطن قومي لليهود في فلسطين عام 1917م.
ملحق رقم (3) لنصوص صك الانتداب البريطاني على فلسطين.
ملحق رقم (4) للقرار (194).
ملحق رقم (5) لنص قانون القومية اليهودية.
ملحق رقم (6) لنص الكلمة التاريخية للرئيس الفلسطيني محمود عبّاس في الأمم المتحدة في دورتها 73  في 27 سبتمبر 2018م.

ملحق رقم(7) لخرائط  وثائقية.
ملحق رقم (8) لصور وثائقية.
ملحق رقم (9) لخواطرها الوطنية الفلسطينية .
فالكتاب في مجمله جامع مختصر ومُبسّط للقضية الفلسطينية من يقرأه يستوعبها تمامًا  بأبعادها التاريخية والسياسية والإنسانية، حري أن يكون ضمن المناهج الدراسية لمادة التاريخ في المرحلة المتوسطة في جميع الدول العربية والإسلامية، وفي مقدمتها دولة فلسطين، لتعي الأجيال القادمة القضية الفلسطينية بكل أبعادها، كما هو حري بأن يُترجم إلى مختلف لغات العالم، ويوزع على ملوك ورؤساء و سفارات دول العالم ، وفي مكاتب الأمم المتحدة ومجلس الأمن والمنظمات الدولية، وكم أتمنى أيضًا أن يُنتج كفيلم وثائقي عن القضية الفلسطينية.
منهج المؤلفة في تأليفها للكتاب
   القارئ للكتاب يجد أنّه غير نمطي في أسلوبه ومنهجه وطريقة عرضه للمعلومات ، وذلك فإنّ المؤلفة هي بحد ذاتها غير نمطية في دراستها وقراءتها للأحداث والمعلومات، فهي لا تعتمد على النسخ واللصق من الكتب والمراجع، حيث  تقوم  بفهم الموضوع وتلخيص المعلومات والأفكار بطريقتها، وتحليلها وربطها ببعضها البعض، ثمّ تستنتج الأسباب والعوامل، والنتائج المترتبة عليها متبعة القاعدة في الكتابة التاريخية "أنّ لكل حدث  أسباب، ونتائج"[12]، وهي عندما كانت طالبة تقوم بتلخيص وصياغة الكتب الدراسية والمحاضرات الجامعية بأسلوبها وطريقتها، وتربط المعلومات بعضها ببعض، وتُحوِّل المادة التاريخية الجامدة إلى مادة حيّة بدمجها بالجغرافيا؛ حيث تحدد موقع الحدث جغرافيًا، وعلاقته  بالحدث من حيث الموقع والعوامل المناخية المؤثرة فيه الذي ينعكس على السكان وأنشطتهم الاقتصادية والثقافية وحياتهم الاجتماعية، أقول هذا لأنّي كنتُ ملازمتها في سني دراستها الجامعية في كلية الآداب – قسم تاريخ – بجامعة الملك سعود، ومرحلة الدراسات العليا في كلية الدراسات الإنسانية تخصص دقيق " تاريخ إسلامي" بجامعة الأزهر بنات بالقاهرة؛ إذ صادف أنّني أنا وهي درسنا معًا في نفس التخصص والسنة الدراسية، وكنتُ أذاكر معها، لأنّها كانت تعاني من حساسية في عينيها من القراءة؛ إذ كانت تنهمر الدموع من عينيها عند القراءة وتصيبها حُرقة في عينيها، فقد درست عن طريق السماع، ولقد استمتعتُ بالدراسة معها ، كما استفدتُ كثيرًا من منهجها وطريقتها۔
     هذا وقد اتبعتْ نفس الأسلوب في تدريسها لمادتي الجغرافيا والتاريخ عندما عملت بالتدريس في المرحلتين المتوسطة والثانوية، ونجح طالباتها في المرحلتين بنسبة 100%.
 والمؤلفة إلى جانب كونها مُؤرِّخة، فهي شاهدة عيان للأحداث المعاصرة التي تمر بها القضية الفلسطينية الآن  من تطورات، فهي رصدت الأحداث الجارية في فلسطين عامة والقدس خاصة من خلال متابعتها على الهواء مباشرة  قناتي فلسطين الرسمية التابعة لمنظمة فتح ( فلسطين مباشر، و فلسطين) ما يحدث على أرض الواقع، وتشاهد وتسمع ضحايا الأحداث وهم يتحدثون عن ما يتعرّضون له من جرائم سلطات الاحتلال، كما تشاهد بعينيها سقوط الشهداء بإطلاق الرصاص الحي عليهم ،وما تقوم به فرق الخيّالة اليهودية الصهيونية تجاه المرابطين عند باب حطة بالمسجد الأقصى، وتسليط  الغازات السامة،  وخراطيم المياه العادمة  عليهم، وترى بعينيها، وتسمع بأذنيها المرابطون وهم يؤدون الصلوات الخمس عند المسجد الأقصى عندما فرض نتنياهو وضع البوابات اليكترونية ، والكاميرات الذكية على بوّاباته ، وهذه إحدى مداخلاتها على صفحة الفيس بوك، وهي تسجل لحظة اندفاع المصلين من باب حِطّة لدخول المسجد الأقصى لأداء صلاة العصر إثر إلغاء البوّابات اليكترونية" .
"الله أكبر الله أكبر الله اكبر .أخيرًا فُتِحَ باب حطّة وهاهم المصلون يدخلون من خلاله لمسجدهم الأقصى لآداء صلاة العصر .
عدد غير مسبوق من المصلين جاءوا من جميع المدن المحتلة وهاهم جميعًا يندفعون لدخول المسجد. لم يبق أحد في بيته. بالرغم من تعرِّضهم للأذى من قبل المحتل بإطلاق القنابل الصوتية عليهم لم يتراجعوا . بل هم مستمرون في الاندفاع للدخول .
ما أعظم هذا الشعب الذي خضعت لإرادته المحتل الغاشم!
هنيئًا لكم يا مقدسيون  بصمودكم وببطولتكم وبشموخكم . أنتم المثل الأعلى في القوة والصمود والبطولة والشموخ ."

 لذا ؛ أضم صوتي إلى صوت المؤلفة في مناشدتها لفخامة الرئيس محمود عباس في تبنيه نشر الكتاب، وترجمته إلى مختلف اللغات، وتقريره ضمن المناهج الدراسية في دولة فلسطين، مع السعي لتقريره في مناهج التعليم  في البلاد العربية والإسلامية.
 بارك الله للمؤلفة جهودها وحرصها على نشر الوعي بالقضية الفلسطينية إقليميًا ودوليًا، وجعله الله في ميزان حسناتها.
د. سهيلة زين العابدين حمّاد
حرر في الرياض 16 صفر 1440ه، 25أكتوبر 2018م.


******
تمهيد
 ما جنته الدول العربية من الحكم العثماني
   بهجرة الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة المنورة تكوَّنت الدولة الإسلامية التي أخذت تتسع حتى شملت كافَّة الجزيرة العربية، بلاد العراق وفارس، الشام الكبرى، مصر وشمال أفريقيا حتى وصلت إلى الأندلس. تُعْتَبَر هذه المنطقة من العالم القديم " الجزيرة العربية، بلاد الرافدين، بلاد الشام وخاصَّة فلسطين ومصر، مركز الثقل في العالم أجمع ، إذ خصَّها الله بأن تكون مهد الديانات جميعًا ومولد جميع الأنبياء والرسل، ممَّا جعلها مهد الحضارات القديمة التي يرجع تاريخ بعضها إلى سبعة آلاف سنة قبل الميلاد ، كما تتمتَّع هذه المنطقة بموقعها الجغرافي والاستراتيجي المُتميِّز نظرًا لتوسطها بين قارات العالم القديم، كما تميَّزت بثرواتها الزراعية الهائلة خاصَّةً بلاد الرافدين والشَّام  وحوض النيل في مصر والسُّودان. وبحكم العمق التَّاريخي والثَّقافي والحضاري لهذه المنطقة ، وبظهور الإسلام الذي يحثُّ على استعمال العقل ، ظهرت الحضارة العربية والإسلامية التي تنامت وتطورت وبلغت ذروتها في العصور الوسطى حين كانت أوربا تغرق في ظلمة الجهل، حيث ساهم العالِم الإسلامي بمساهمات عظيمة في كافَّة العلوم والفنون وبعض الصناعات والتقنيات الزراعية التي انتقلت إلى أوربا عن طريق ترجمة آلاف المخطوطات المتواجدة في بيت الحكمة ببغداد إلى اللغات الأوربية، إضافة إلى ترجمة كتب الحضارات القديمة السابقة للإسلام ، وممَّا شجَّع على غزارة هذه التراجم تشجيع الخلفاء العرب لما لديهم من خلفيَّة ثقافيَّة، حضاريَّة عريقة ، حتى أنَّ كان بعضهم  يدفعون وزن الكتاب ذهبًا . وظلَّت بعض  مؤلفات العلماء  المسلمين تُدرَّس في الجامعات الأوربية حتى القرن 18. فضلًا عن العديد من طلبة العلم الذين قدموا للدِّراسة في مراكز العلوم الإسلامية خلال القرن الحادي عشر إلى الرابع عشر. فوق كل ذلك تميُّز العنصر البشري الذي يعيش في هذه المنطقة، والذي وصفه الله في كتابه العزيز  : (كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ)
نظرًا للتَّفوُّق العسكري الهائل  للدولة العثمانية تمكَّنت من ضمّ معظم البلاد العربية تحت رايتها وللأسف حين حكمت هذه المنطقة في بداية القرن السادس عشر تجاهلت تمامًا أنَّ تلك المنطقة هي الدولة الإسلامية الأصل ، وتجاهلت عراقتها التَّاريخية وأغفلت الجانب الثقافي والحضاري الذي تفرَّدت به شعوب هذه المنطقة ، واعتبرتهم مُجرَّد تابع مُهمل وعطَّلت قدراتهم،  وفرضت عليهم العزلة عن العالم، فتوقَّفت الحركة العلمية  في البلاد العربية وانتشرت الأمِّية، بينما بدأت تزدهر في أوربا ، كما أنَّ الدولة العثمانية  جعلت السلطة مركزيَّة في أيدي العثمانيين الذين يفتقدون إلى الخلفية الحضارية والثقافية ، ويتبنُّون خلفية حربية توسعية سلطويَّة قائمة على البقاء للأقوى  عسكريًا . فقد يقتل الحاكم منهم أخيه أو ابنه للحفاظ على السلطة .
   ومع أنَّ معيار القوَّة لدى الدولة العثمانية هو القوَّة العسكريَّة إلاَّ أنَّها أغفلت هذا الجانب بالنسبة للبلاد العربية ، فتركتها بلا جيوش مدرَّبة تحميها، مع وجود قوَّة عسكريَّة ضاربة من الجيش العثماني الذي استمر في التَّوسُّعات في أوربا حتى بلغت الدولة العثمانية ذروة قوتها خلال القرنين السادس عشر والسابع عشر، فامتدت أراضيها لتشمل كامل آسيا الصغرى وأجزاء كبيرة من جنوب شرق أوروبا، وغربي آسيا، وشمالي أفريقيا حتى بلغت مساحتها أكثر من 20 مليون كم مربعًا وفرضت سيادتها اسميًا على العديد من الدول الأوربية المجاورة، ووصل عدد الولايات العثمانيّة 29 ولاية، ممَّا استفزَّ عداء وحقد الدول الأوربية قاطبةً عليها، فبالرغم من أنَّ الدلة العثمانية تهيأت لها كل أسباب القوة والبقاء ، من ذلك:
.1 الموقع الجغرافي الاستراتيجي الهام الذي يتوسط العالم ويكون رابطًا بين أجزائه المختلفة.
.2تميُّز المنطقة بثرواتها الاقتصادية.
 .3منطقة حضارية من الدرجة الأولى، فهي مهد لجميع الديانات والحضارات القديمة.
 .4شعوب هذه المنطقة وُصِفت في القرآن أنَّها خير أمَّةٍ أخرجت للناس.
 .5 صاحب كل هذه المميّزات القوَّة العسكريَّة للدولة العثمانية إلاَّ أنَّها لم تستطع الصمود طويلًا وذلك للأسباب التالية:
1.    المركزية والعنصرية المُفْرطتيْن.
2.    استفزاز الدول الأوربية بحروبها التوسعية فيها، تاركةً البلاد العربية مكشوفة بلا غطاء يحميها، ممَّا أوقعها فريسة للاستعمار الأوربي ، والتَّراجع الحضاري والتَّفكك والشَّرْذَمة، وقيام الكيان الصهيوني في قلب الأمَّة العربية.
3.    افتقار السلاطين العثمانيين للخلفية الثقافية والحضارية، ولم يستثمروا الخلفيات الثقافية والحضارية والفكرية لشعوب ولاياتهم العربية والإسلامية، بل نجدهم فرضوا العزلة عليهم، وأوقفوا حركة التعليم فتفشّت الأمية بينهم التي لا تزال تُعاني منها الأمتيْن العربية والإسلامية إلى الآن، ولم يكتف العثمانيون بهذا بل نجدهم حاربوا لغة القرآن الكريم التي كانت لغة العلوم والعلماء في جميع البلاد الإسلامية، وذلك بفرضهم اللغة التركية على ولاياتهم بفرضهم سياسة التتريك.
       فالدولة العثمانية توفرّت لها عناصر القوة والبقاء، ولكنها ضيّعتها بعنصريتها ومركزيتها وطموحاتها السلطوية والتوسعية، فلو حافظت عليها واستثمرتها لاستمرت كدولة عظمى حتى الآن.

******

الفصل الأول : وعد بلفور

الصهيونية!
    هي حركة يهوديَّة سياسية لا علاقة لها بالدين، وسمِّيت بالصهيونية نسبة إلى جبل صهيون العربي الكنعاني ليوهموا العالم أنّ اسمه عبريّ، وظهرت في وسط وشرق أوروبا في أواخر القرن التاسع عشر،  ودعت اليهود للهجرة إلى أرض فلسطين بدعوى أنها أرض الآباء والأجداد ورفض اندماج اليهود في المجتمعات الأخرى للتحرر من معاداة السامية والاضطهاد الذي وقع عليهم في الشتات. وبعد فترة طالب قادة الحركة بإنشاء دولة منشودة في فلسطين والتي كانت ضمن أراضي الدولة العثمانية. وقد ارتبطت الحركة الصهيونية الحديثة بشخصية اليهودي النمساوي هرتزل مؤسس الحركة الصهيونية اليهودية في بازل بسوسرا 1891. وفي 1985 تأسَّست الصهيونية المسيحانية في نفس المدينة وفي نفس الفندق وفي نفس القاعة، والذي دعا إلى عقد مؤتمر الصهيونية المسيحانية هو رئيس المعهد اللاهوتي الأمريكي دوجلاس يونج، وترأس الاجتماع القسيس الهولندي دير هوڤن. جمعوا من 27 دولة 589  مندوبًا. فشكلَّت حركة صهيونية مسيحية، فكانت هذه الحركة أشدَّ عداوةً من الصهيونية اليهودية. لأنَّها تؤمن بالعودة الثانية للمسيح. ولهذه العودة شروطًا لابد منها:
الأول: أنَّ المسيح لا يظهر إلاَّ في مجتمع يهودي . ولذلك يعملون من أجل قيام إسرائيل.
الثاني: أنَّ المسيح لا يظهر ويعلن عن نفسه إلاَّ في الهيكل، كما فعل في المرة الأولى، ولذلك فهم يعملون من أجل بناء الهيكل. يقول أول رئيس حكومة لإسرائيل ديڤيد بنجورين" لا إسرائيل بدون القدس، ولا قدس بدون الهيكل"، ويزعمون أنَّ الهيكل مكان المسجد الأقصى، أي لا يُقام الهيكل إلاَّ إذا أُزيل المسجد الأقصى. عندما تمَّ احتلال القدس من قبل إسرائيل  1967م, أُعْلن أنَّ النُّبوة الأولى تحقَّقتْ بقيام إسرائيل، والنُّبوَّة الثانية تحقَّقت باحتلال القدس، والنُّبوَّة الثالثة المنتظرة هي هدم المسجد الأقصى وبناء الهيكل المزعوم مكانه .حين تعرَّض المسجد الأقصى للحريق 1969م، لم يكن الذي حرقه إسرائيليًا ولا يهوديًا، إنَّما كان من الحركة الصهيونية المسيحية، جاء مهاجرًا من استراليا لإحراق الأقصى. ويزيد من خطورة الصهيونية المسيحية أنَّها شكَّلت مؤسسة أسمتها "السفارة المسيحية العالمية من أجل القدس". هذه المؤسسة هي التي استطاعت أن تقوم بالضغط الكافي على الكونجرس حتى يُصدِر قراره باعتبار القدس عاصمة لإسرائيل 1995م، والذي نفَّذه ترمب الآن. وتقوم هذه المؤسسة بجمع التبرعات من أجل تهجير اليهود إلى فلسطين، وبناء المستوطنات ومن أجل بناء الهيكل مستقبلاً. نحن نحتاج إلى مؤسسة تُكوَّن باسم "السفارة الإسلامية المسيحية" من أجل نصرة القدس، تقوم بمهمَّة دعم المقدسيين ماديًا ومعنويًا، وبتشجيع الوجود العربي الفلسطيني الإسلامي المسيحي ليَتَجَذَّر في الأرض المحتلة حمايةً للقدس وللمقدسات الإسلامية. المواجهة الحقيقية ليست فقط مع إسرائيل والصهيونية اليهودية، إنَّما المواجهة الحقيقية والأكثر عمقًا والأبعد مدى هي مع الحركة الصهيونية المسيحانية، ويُمَثّلها نائب الرئيس الأمريكي في الإدارة الأمريكية، وهذا هو الشخص الذي اختاره الكونجرس لقضية السلام بين العرب وإسرائيل .
                                     
وعد بلڤور... كيف تحقّق؟[13]
مائة عام مضت على وعد وزير الخارجية البريطاني بلفور الذي يحتوي على شقيْن: أوّلهما إقامة دولة يهودية، ثانيهما مقرُّها فلسطين. لمناقشة هذين الشقين، سأورد النقاط التالية:
1.    هناك جماعة يهودية تتكون من حاخامات يهود(حركة ناطوري كارتا)يعتقدون بما جاء في التوراة غير المحرّفة، بأنّ: 
 أ – إقامة دولة لليهود هو ضد الله، بمعنى أنَّ الله حرَّم عليهم إقامة دولة.
ب -  ليس لليهود حق في شبر واحد من أرض فلسطين.
2 .  بشهادة عالم الآثار الإسرائيلي إسرائيل فلنكشتاين والذي يعمل في جامعة تل أبيب والمعروف بأبي الآثار أنَّ لا علاقة للإسرائيليين بالقدس، ولا توجد أية آثار تدعم هذا الزعم".
3.    يدّعون أنَّ لهم حقًا تاريخيًا في فلسطين! وللرد على ذلك أقول:
أ - القانون الدولي لا يُقِرُّ مبدأ الحق التاريخي، ولو طُبِّق الحق التاريخي ستنشب حروب طاحنة وتتغيِّر خارطة العالم بشكل كبير.
ب - ثمَّ أنَّنا لو رجعنا للتاريخ لا نجد لليهود أيّ حق تاريخي في فلسطين، فأوَّل شعب معروف استوطن أرض فلسطين هم الكنعانيون، وهم عرب من الجزيرة العربية سكنوا فلسطين سنة 3000 قبل الميلاد.
وفي سنة 1011 قبل الميلاد تكوَّنت مملكة داوود في السامرا ويهوذا (مساحتها 15 فدانًا فقط، وسكانها لا يزيد عن 2000شخصًا) ولم تمتد إلى أكثر من ذلك. أي لم تصل إلى القدس، وكل ما جاء خلاف ذلك في كتابهم المقدس  تحريف منهم.
ج -  وكذلك بعض المسميات مثل أورشليم وصهيون ... وغيرها هي أسماء كنعانية وليست عبرية، كما يدَّعي اليهود، وكونها وردتْ في التوراة لا يعني أنَّها عبرية.
4 - قرار الأمم المتحدة 34/23 للعام الماضي نصَّ على أنَّ وجود إسرائيل على الحائط الغربي في القدس لا يتمتَّع بمشروعية قانونية ويُمثِّل انتهاكًا جسيمًا بموجب القانون الدولي.
5 - وفي مايو 2017 أعلن اليونسكو وهو المسؤول عن الحفاظ على التراث التاريخي أنَّ إسرائيل لا تتمتَّع بأي حق قانوني أو تاريخي في أيّ مكان في القدس.
6- لا حق لترمب في أي شبر من الأراضي العربية ليمنحها لإسرائيل.
    إذًا لا شيء يُدعِّم ادِّعاءاتهم، ومع ذلك أصبح وعد بلڤور حقيقة واقعة على أرض فلسطين، تُرى كيف؟ 

 ولتنفيذ " وعد بلوفر"  أقرَّتْ عصبة الأمم المتّحدة انتداب بريطانيا على كامل الأراضي الفلسطينية بشكل رسمي عام 1922م بعد انتهاء الحرب العالمية الأولى وهزيمة تركيا فيها. عندئذ أعلنتْ بريطانيا فتح باب الهجرة إلى فلسطين أمام يهود العالم. كان عدد يهود فلسطين عند بداية الانتداب خمسين ألفًا، ليُصبح عند نهاية الانتداب نصف مليون، وفي 30 نوڤمبر 1947م قرَّرت الأمم المتَّحدة إنهاء الانتداب البريطاني على فلسطين، وفي مايو عام 1948م تمَّ بالفعل انسحاب بريطانيا من فلسطين، وإعلان الحركة الصهيونية لدولة إسرائيل بعدما أخلى الصهاينة من فلسطين أكثر من نصف سكانها، كيف تمَّ ذلك؟

ما بين إعلان قرار الأمم المتحدة نهاية الانتداب البريطاني على فلسطين في ٣٠ نوڤمبر ١٩٤٧م وبين انسحاب القوات البريطانية من فلسطين في مايو ١٩٤٨م، كانت تجري عمليات تطهير عرقي للفلسطينيين، بناءً على خطة صهيونية مدبَّرة، نفَّذَها العديد من المنظمات العسكريّة الصهيونية، بالتَّعاون مع فرق الهجَّاناه المُدرَّبة والمُسلَّحة من قبل قوَّات الانتداب البريطاني، مُتَّبعين أشْرس أساليب العُنْف والوحشية، بينما كان الأهالي عُزَّلًا لا يملكون سلاحًا، وليس لهم دولة تحميهم .كان هذا المخطَّط يهدف إلى طرد الفلسطينيين من المدن والقرى، قبيل انسحاب القوات البريطانية، بإثارة أجواء هائلة من الرعب والهلع الواسع النطاق مثل :
-      محاصرة وقصف القرى والمراكز السكانية.
-       حرق المنازل والأملاك والبضائع، الطرد.
-       هدم البيوت على رؤوس أصحابها.
-       زرع ألغام وسط الأنقاض لمنع السكان المطرودين من العودة إلى منازلهم.
-        المذابح البربرية : منها/مذبحة قرية بلد الشيخ/مذبحة قرية سعسع/مذبحة رحوفوت/مذبحة كفر حسينية/مذبحة بنياميناه/مذبحة ناصر الدين/مذبحة تل لتفنسكي/مذبحة حيفا/مذبحة بيت دارس/مذبحة اللِّد/مذبحة الدوايمة/مذبحةيازور/مذبحة دير ياسين . يقول مناحم بيجن في مؤلِّفه "الثورة"  "إنَّ مذبحة دير ياسين أسهمت مع غيرها من المجازر الأخرى في تفريغ البلاد من ٦٥٠ ألفًا عربيًا"  وأضاف "لولا دير ياسين لما قامت إسرائيل" استغرق تنفيذ تلك الخطة ستة أشهر . ومع اكتمال التنفيذ كان نحو 950 ألفًا فلسطينيًا[14] - أكثر من نصف سكان فلسطين آنذاك - قد اُقْتُلِعوا من مساكنهم وأُرغموا على الهجرة إلى الدول المجاورة، ودُمَّرت 531 قرية، وأُخْلي أحد عشر حياً مدنياً من سكانه، إلى جانب العدد المهول من القتلى.    ولإخفاء القرى العربية المدمرة زُرعت أرض هذه القرى بأشجار حرجيِّة لتُخفى تحتها القرى المدفونة .
 
وهذه الخطة تعتبر من وجهة نظر القانون الدولي، "جريمة ضد الإنسانية". أي جريمة حرب يجب محاكمة كل من شارك في تنفيذها . ومن المُستغرب كيف تم اسقاط هذه الجريمة من الذاكرة العالمية الجماعية ومحوها من ضمير العالم، مع وجود مراسلين صحفيين أجانب ومراقبين تابعين للأمم المتحدة.
   بعدما اسْتُكْملتْ عملية التطهير العرقي، وُضع من تبقى من الفلسطينيين تحت الحكم العسكري، واستمر الصهاينة في الاعتقال ونهب البيوت، ومصادرة الحقول، والاعتداء على الأماكن المقدسة . بل لجأوا إلى تحويل الأسماء العربية للمواقع إلى أسماء عبرية، لتثبيت الزعم بيهودية فلسطين بطريقة مُزيَّفة .  ونظير كل هذه المعاناة التي لاقاها الشعب الفلسطيني، هبَّتْ الأمَّة العربية لنجدتهم بعدما أُعْلن قيام دولة إسرائيل 1948، فاندلعت الحرب بين البلاد العربية ودولة إسرائيل الحديثة التكوين، إلاَّ أنَّها باءت بخسارة الجيوش العربية التي لم تكن جيوشًا حديثة مدرَّبة . هذا ما فعلته تركيا بالبلاد العربية، انتهى حكمها للبلاد العربية باغتصاب فلسطين وخضوع باقي البلاد العربية للاستعمار البريطاني والفرنسي والإيطالي والأسباني، تركتنا بجيوش بدائية مهلهلة، لقمة سائغة لمن أراد من القوى الاستعمارية آنذاك......

******

الفصل الثاني  :لِمَ القُدس الكُبرى
تمهيد
  إنّ مشروعي " القدس الكبرى" و" صفقة القرن" سبقهما مشروع" غزّة الكُبرى" لتمكين إسرائيل من احتلال كامل أرض فلسطين وتهويدها، تمهيدًا لإقامة دولة إسرائيل الكبرى التي تمتد من النيل إلى الفرات ،  ومن الأرز إلى النخيل، وإليكم نبذة مختصرة عن مشروع " غزّة الكُبرى".
لِمَ غزّة الآن تعاني من القصف مُجَدّدًا؟
 ثمانون غارةً على غزّة، ولا تزال!؟
 عاد «الإسرائيليون» للحديث مجددًا عن ما يُسمّى مشروع غزّة الكبرى بعد فشل مساعي المبعوث الأمريكي كوشنر في تسويق مشروع إنعاش غزة الذي بلوره مع  نتنياهو والمبعوث الدولي  ميلادينوف وقطر وتركيا، وادعوا على لسان كوشنر أنّ دُولاً خليجيّة ستموّله بمليار دولار مع إقامة مُنشآت كهربائيّة وصناعيّة لغزّة داخل سيناء ورصيف بحري في قبرص اليونانيّة واستخدام مطار إيلات.
    رفضت السلطة الفلسطينيّة هذا الطّرح المُقدّم من ميلادينوف لأنّه تجاوز صلاحيّاته وأخذ يتشاور مع المندوب القطري والمسؤولين «الاسرائيليين» وكأنّه مُفَوّض رسمي من قبل سكان غزّة والسلطة. كما أنّ الدول العربية التي ذكرها كوشنر على أنّها ستكون المُموّل لم تبد تعاونًا في هذا المجال، باستثناء قطر التي تربطها علاقات خاصة مع واشنطن وحركة حماس وتركيا. كما أنّ مصر أكّدت لوفد من «حماس» أنّ أيّة مُنشأة لخدمة غزّة يجب أن تقام داخل غزة وليست بسيناء. 
   لكن «الإسرائيليين» أعادوا طرح مشروع غزة الكبرى الذي سبق وأن رفضه الرؤساء السادات وحسني مبارك وأبو عمار في نهاية الفترة الانتقالية لأوسلو سنة 1999، بينما وافقت عليه حماس.
  سبق لمستشار الأمن القومي «اللواء الاسرائيلي» غيئورا ايلان أن طرح مشروعاً قبل الانسحاب الأحادي من غزة  بهدف إقامة غزّة الكبرى،" إلاّ أنّه رُفض من قبل معارضة اليمين الإسرائيلي" 
وينصُّ على زيادة مساحة غزّة بثلاثة أضعاف في سيناء حتى العريش على حساب مصر، وإعطاء مصر 200 كيلو متر مربع في النّقب لتسهيل ربطها بالأردن وانسحاب «إسرائيل» الكامل من قطاع غزّة ، وإخلاء كافّة المستوطنات هناك.
-في المقابل تحصل مصر على منطقة بديلة مساحتها 200 كلم في منطقة وادي فران في النّقب، وكذلك على نفق بري يربطها بالأردن ويخضع للسيّادة المصرية.
- تحصل السعوديّة والعراق والأردن على منفذ إلى البحر المتوسط، عبر النفق البري وميناء غزّة.
- يحصل الفلسطينيون على 89% من أراضي الضّفة الغربية، فيما تحصل «إسرائيل» على مساحة ال 11% المتبقيّة من الضّفة، والكافية لضمّ كل الكتل الاستيطانيّة في الضّفة الغربيّة.
- يحصل الفلسطينيون على ميناء كبير في غزّة، يتم تمويله من المجتمع الدولي، وعلى مطار دولي كبير على مداخل رفح.
- تتولى مصر والأردن والولايات المتحدة الوصاية على المناطق الفلسطينيّة.
حالياً طرح مسؤول أمني «إسرائيلي» كبير سابق، مقترحًا بإنشاء «غزّة الكبرى»، ليشمل قطاع غزّة وجزءًا من شمال شبه جزيرة سيناء المصرية، ويتضمّن إقامة ميناء ومحطّات كهرباء والاستثمار في الغاز وهو ما يتطابق مع مشروع كوشنر. على أنّ مثل هذا الكيان هو ضمن المرحلة الأولى من التّسوية السلمية، وسيكون بإشراف دولي مع إمكانيّة قيام مصر وتركيا وقطر وإسرائيل بلعب دور رئيس في إنشائه وتطويره.
مُدّعين أنّ ما يخصُّ الضفة الغربية والقدس وحق العودة للاجئين الفلسطينيين يمكن معالجتها، لاحقًا.
   حقيقة الأمر فإنّ كل الطروحات «الإسرائيلية» جوهرها تفتيت وحدة الأراضي الفلسطينية بجعلها كانتونات مُتفرّقة تحت الوصاية العربية والدوليّة، فاقدة للحريّة والعزّة والكرامة، وفي المقابل الحرص على الاستيلاء على أراضي فلسطينية تُحقّق لهم ضمّ  كل الكتل الاستيطانيّة التّابعة لهم في الضّفة الغربيّة وغيرها. تمهيدًا لتحقيق هدفهم الأكبر:  " إسرائيل الكبرى" .
أي سلام هذا الذي ينقضُّ على دولة ذات سيادة تتمتّع باستراتيجية خاصّة في موقعها وعمقها التّاريخي والحضاري وخصوصيّتها المتميّزة في وضعها الدّيني وعراقة شعبها، إلى مثل هذا الكيان الشّاذ عالميًا والفاقد للحرّية والعزّة والكرامة ؟
كل ما جاء في مشروع غزّة الكبرى وغيرها من مشاريعهم يصب في هذا الهدف. 
   كل الطروحات «الاسرائيلية» جوهرها إلغاء قيام دولة فلسطينية حقيقية في الضّفة الغربية والقدس، واعتبار التركيز على غزّة مقدّمة للتّسوية، لكنّه في الحقيقة هو التّسوية كلها ولا شيء بعدها.
هم يعلمون أنّ سيناء هي العمق الاستراتيجي للدولة المصرية. باختراقها يتم الانقضاض على مصر والاستيلاء عليها بكل سهولة. وما العمليّات الإرهابية المكثّفة في أراضي سيناء حاليًا إلاّ جزء من مُخطّطاتهم بالتّعاون مع حكّام غزّة.
   فهاهم يبذلون كل ما في وسعهم ليتمّ لهم ما يريدون. يسعون إلى إقحام بعض الدول العربية في مشاريعهم، تارة يلقون عليهم أعباء التّمويل لهذه المشاريع، وأخرى بمنحهم بعض الإغراءات. فنجد أحد بنود هذا المشروع ينصُّ على أن" تحصل السعوديّة والعراق والأردن على منفذ إلى البحر المتوسّط عبر النّفق البري وميناء غزّة"، علّ هذا الإغراء يدفع بهذه الدُّول إلى دعم هذا المشروع.
  يريدون إقناعنا أنّ اعتبار التركيز على غزّة مقدّمة للتّسوية لكنّه في الحقيقة هو التّسوية كلَّها التي ستُحقّق لهم الاستيلاء الكامل على سيناء، ومن ثمّ الانقضاض على مصر التي تُعتبر العمق الاستراتيجي للبلاد العربية بكاملها ، فتَتَحقّق لهم دولة "إسرائيل الكُبرى" من النّيل إلى الفرات.
باختصار إنّ سيناء بمثابة الأمن القومي لفلسطين وللبلاد العربية قاطبةً. وهذا ما يُفسر لنا تصاعد الأحداث في غزّة الآن:
ثمانون غارةً على غزّة  ولا تزال؟. لِمَ غزّة الآن؟
غزّة مفتاح سيناء ، وسيناء مفتاح مصر التي بالتّالي قُدِّر لها أن تكون مفتاح البلاد العربية.
فانتزاع سيناء من السيادة المصرية فيه ضياع لحرية البلاد العربية جمعاء .
أستطيع القول أنّ سيناء مفتاح السلامة والأمان، والحريّة لكافّة البلاد العربية. ولا ننسى الحدث الجلل الذي يُبّن لنا عظمة هذا الموقع حين شهدت سيناء تجلّي الخالق لموسى عليه السلام، حدثٌ لم ولن يتكرر. جاء في سورة الأعراف. 
( وَلَمَّا جَاءَ مُوسَىٰ لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ ۚ قَالَ لَن تَرَانِي وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي ۚ فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا ۚ فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) [15] .
اختيار سيناء كموقع للتّجلي له دلالات خطيرة، علينا أن ندركها ونستوعبها ونعيها تمامًا.
   من هذا المنطلق جاء الحديث القائل" خير الجهاد الرباط وخير الرباط، رباط عسقلان"61 كيلو من غزّة".
المقدسيُّون  خط الدفاع الأول عن الأقصى !
المقدسيُّون  خط الدفاع الأول عن الأقصى ! لذلك لُقِّبوا بالمرابطين، فمن هم المرابطون ؟ 
هم من سكان القدس من فلسطينيي عام 1948م، يهدفون إلى عرقلة تنفيذ تهويد المسجد الأقصى زمانيًا ومكانيًا . تَعتبر إسرائيل المرابطين عاملًا رئيسيًا في خلق التوتر والعنف والسَّعي إلى تقويض سيادة إسرائيل على جبل مَرِيَّة المبنيَّة عليه مدينة القدس . ولإفشال مهمَّتهم أعلنتْ إسرائيل حظر جماعة المرابطين . رفضتْ السلطة الفلسطينية هذا الحظر جملةً وتفصيلًا وأكَّدتْ أنَّه سيبقى المرابطون موجودين في الأقصى، وقرار إسرائيل هذا لن يُغَيِّرَ شيئًا . رباط المسلم في مقدَّساته  جزء من العقيدة ولا يحق لإسرائيل التَّدخل فيه . هم دائمًا وأبدًا مُلتفِّين حول أقصاهم ، خاصَّةً حين يتعرَّض للمِحَن . حين أراد نتنياهو أن يُحكم قبضته على المسجد الأقصى ومن ثمَّ  تهويده بتركيب البوابات الإلكترونية والكاميرات الذكية، رفض المقدسيون دخول المسجد الأقصى عبر هذه الأبواب والكاميرات ، ورابطتْ حول أقصاها لأكثر من أسبوعين بعدد يفوق الخمسة عشر ألفًا، وجند الاحتلال تحاوطهم من كل جانب . صمدوا بالرغم من الاعتداءات المتكرِّرة عليهم . ومن خلفهم نساء القدس في كل منزل وهنَّ  يُهيِّئن لهم الطعام والشراب لِيَصْمدوا في رباطهم . بالفعل أَفْشَلوا مشروع نتنياهو وحرَّروا مسجدهم من هذه البوابات والكاميرات التي تَشُفُّ عن عورة المارِّين خلالها ،  كذلك بعد قرار ترمب بشأن القدس ، نجد المقدسيين، يواصلون صلاتهم في مسجدهم الأقصى بأعداد كثيفة، ففي جمعة 22 ديسمبر 2017م أدّى 45 ألف مواطنًا فلسطينيًا، صلاة الجمعة في المسجد الأقصى، وسط تشديدات عسكرية صهيونية . وتوافد عشرات الآلاف لأداء الصلاة في الأقصى، والمشاركة في مظاهرة سلمية جابت أرجاء المسجد؛ رفضًا لمحاولات تغيير الوضع التاريخي والديني لمدينة القدس، رافعين الأعلام الفلسطينية، ومردّدين الشعارات المندّدة والرافضة لقرار ترمب بشأن القدس. وفي جمعة 19 يناير بلغ عدد المصلِّين بالأقصى حوالي عشرون ألفًا وسط أجواء المطر الشديد والبرد القارس، وفي ظل إجراءات أمنية صهيونية مُشدَّدة على أبواب المسجد . وفي 16 فبراير  أدى نحو خمسون ألف مواطنًا ، صلاة الجمعة في المسجد الأقصى وسط تشديدات عسكريَّة من الاحتلال، وبكثافة أعداد الشرطة والجنود حوَّلوا البلدة القديمة إلى ثكنة عسكريَّة ليُرعبوا المقدسيين . لكن لن يكون هذا أبدًا، ولن يمرَّ قرار ترمب كما مرَّ وعد بلڤور، بعون الله أولاً ثمَّ برباط المقدسيين الذين جاء ذكرهم في الحديث الشريف: (وَإِنَّ أَفْضَلَ جهادِكُمُ الرِّبَاطُ ، وَإِنَّ أَفْضَلَ رباطِكُمْ عَسْقَلَانُ)عسقلان تبعد عن القدس 61 كيلو مترًا . 
وعد الله المؤمنين بالنّصر ؛ إذ هم ناصروه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ)[16]
المقدسيون... ولنتعلَّم منهم كيف يكون الرباط؟
    تكوَّنتْ دولة إسرائيل عام ١٩٤٨م على مساحة تبلغ ما نسبته ٥٦٪؜من المساحة الكلية لفلسطين. منذ البداية كانت إسرائيل تُخطّط للاستيلاء على كامل الأراضي الفلسطينية، لتكون لها نقطة البداية في الاستيلاء على المنطقة العربية، من النيل إلى الفرات، ومن الأرز إلى النخيل. من هنا جاء عدم ترسيم حدودها مع جيرانها. وهي متفرِّدة بذلك بين دول العالم أجمع تأهبًا للتوسُّعات القادمة. وبالفعل من خلال حرب ١٩٦٧م وحرب ١٩٧٣م وما تبعتها من اتفاقيات أصبحت إسرائيل تحتل ٧٨٪؜ من المساحة الكليَّة لفلسطين، بما في ذلك الثلث من مساحة غزة والقدس بشقيها الشرقي والغربي، ولم يتبق للفلسطينيين سوى ٢٢.٦٪؜من المساحة الكليَّة لفلسطين. حينئذ كانت مساحة القدس بشقيها الشرقي والغربي 21 كم مربعًا، فعمدت إلى توسعتها بغرض:
أولًا : انقاص النسبة السكانية للعرب فيها . 
ثانيًا : زيادة نسبة اليهود المستوطنين . ولتحقيق الهدف الأول، اتبعت وسائل عديدة، منها:
1 - منذ اللحظة الأولى من الاستيلاء على القدس في 5 يناير 1967م بدأت الجرافات تنفيذ مهمتها الأولى بتجريف حي المغاربة بالكامل وبنوا مكانه الحي اليهوديّ . فهدَّموا 800 منزلًا في يومين ، وطردوا 4000 فلسطينيًا. استمرَّت عمليات هدم منازل المقدسيين والعمل على تهجيرهم/هدم بعض مدارسهم، مستشفياتهم ونواديهم أو إغلاقها ليضطّروا للرحيل. فمنذ سنة 2000 أغلقت إسرائيل 18 مؤسسة فلسطينية .
٢- سن  18 قانونًا مجحفًا مخالفًا لجميع القوانين الدولية، تمكِّنهم من سلب ممتلكات المقدسيين .
٣- استبعاد 140 ألف مقدسيًا من هويّة القدس.
٤ - سحب بطاقات الهويّة المقدسية من 14600 أسرة، وبالتالي لا يستطيعون دخول القدس .
٥- رفض إعطاء الهويّة المقدسيّة لأبناء الأسر المختلطة -هي التي يكون فيها أحد الأبويْن غير مقدسي - ويزيد عددهم عن 10 آلاف، فبذلك لا يستطيعون دخول القدس.
٦- التضييق على المقدسيين في حياتهم، وتنكيلهم بشتى الطرق ليضطروا للرحيل، من ذلك بناء الجدار الذي شكل لهم عائقًا مريرًا في تنقلاتهم، فمشوار دقائق أصبح يستغرق ساعات.
باستكمال بناء الجدار الذي سيبلغ طوله 731 كم يكون قد صادر 10،2% إضافية من مساحة الضفة؟ كتل مرتفعة من الإسمنت والأسلاك المكهربة تعزل القدس وتفصل المزارعين عن أرضهم.
٧ - أوجدوا المعابر التي يستغرق الوقوف أمامها لساعات. كما أقام الاحتلال أكثر من 85 نقطة تفتيش و572 حاجزًا في الطرق تتكفَّل وحدها بتحويل حياة الفلسطينيين إلى جحيم يومي .
٨ - باستكمال الطرق الالتفافية والمستعمرات اليهودية والحدائق التوراتية تُكمل حصار الأحياء الفلسطينية من جميع الجهات، فتصبح داخل "السندويشة"، بحيث من يدخل القدس ويخرج منها، لا يرى أحياء عربية نهائيًا.
 كل هذه المعاناة والمقدسيون باقون، صامدون، مرابطون  ويشكِّلون أغلبية سكانية قدرها 56%  في مدينة قطرها 20 كم.
لمَ القدس الكبرى؟
  مقابل هدم منازل الفلسطينيين وإجبارهم على الرحيل، يأتي جلب عشرات الآلاف سنويًا من يهود العالم وبناء المستوطنات لهم.
 منذ اللحظة الأولى من الاستيلاء على القدس وقبل وقف إطلاق النَّار بدأت الجرافات بهدم الحي المغربي وبناء الحي اليهودي مكانه . هكذا أخذ يتكرر الاستيلاء على أراضي الفلسطينيين وبناء المسوطنات . ولتحقيق زيادة عدد المستوطنيين من اليهود، اتَّبعت الأساليب التالية:
1۔ جلب عشرات الآلاف سنويًا من يهود العالم من سائر الأنحاء . علمًا بأنّ عدد يهود فلسطين قبل الانتداب 50 ألفًا، بنهاية الانتداب أصبح 500 ألفًا، قبل حرب 1967 بلغ عددهم 3 مليون، بعد الحرب خطَّطت الحكومة أن  تجلب مليونين آخرين،  وبناء المستوطنات لهم .
استبعدت عن القدس مناطق عربية قريبة من القدس - تبعد ٣ كيلو - وضم مناطق يهودية تبعد 20 كيلو عن القدس . فبذلك أضافوا 170 ألف مستوطنًا يهوديًا، واستبعدوا 140ألف مقدسيًا.
كل هذه المعاناة والمقدسيون باقون، صامدون، مرابطون  ويشكِّلون أغلبية سكانية بنسبة 56%  في مدينة قطرها 20 كم؛ لذا فكَّرت إسرائيل بمشروع القدس الكبرى : ويتم ببناء ثلاث كتل سكنية ضخمة جدًا للمستوطنين على بعد عشرين كيلو من القدس، من جميع الجهات وضمّها إلى القدس ، فبذلك تصبح مساحة القدس الكبرى تشغل ثلث مساحة الضفّة الغربية، فتتحقّق الأغلبية السكانية لليهود في القدس الكبرى،  هذا من جهة ، ومن جهة أخرى لتليق أن تكون عاصمة للدولة الإسرائيلية الأم في منطقة الشرق الأوسط، (دولة إسرائيل الكبرى)
وبما أنَّ هذا العمل لا يتّفق مع أي قوانين أو أعراف دولية، أرادت إسرائيل أن تشرعنه وتعطيه الصبغة الشرعية بتمريره من خلال أمريكا.
   من هنا جاءت صفقة القرن التي يريد أن يفرضها ترمب على الفلسطينيين، وذلك عن طريق ممارسة كافة الضغوط لإجبارهم على الرحيل من القدس ، من ذلك:  ما أصدره وزير الأمن الداخلي الإسرائيلي جلعاد اردان​، قراراً بإغلاق وتمديد إغلاق عدد من المؤسسات الفلسطينية في مدينة ​القدس​ المحتلة".
وكشفت صحيفة "اسرائيل اليوم" أنّ " القرار يشمل الغرفة التجارية، والمجلس الأعلى للسياحة والمركز الفلسطيني للدراسات ، و​نادي الأسير الفلسطيني​ ،ومكتب الدراسات الاجتماعية والإحصائية"، مشيرةً الى أنّ "قرار أردان  أُتُّخِذَ بموجب قانون اسرائيلي صادر في عام 1994 يحظر على السلطة الفلسطينية فتح مكاتب تمثيل لها أو ممارسة نشاطات داخل مناطق اسرائيلية، ويعطى القانون لوزير الأمن الداخلي صلاحية إصدار قرارات تمنع هذه الانشطة".
   كما ادّعت الصحيفة أنَّه من المرتقب أن يُعلن أبو مازن  محمود عباس​ أنّ القدس الشرقية​ عاصمة لدولة فلسطين.
في ظل هذه الأجواء الملتهبة، وخلال شهور أعلن ترمب مشروعه " صفقة القرن"
ترمب .. ومشروعه صفقة القرن!
في 6 ديسمبر 2017 م أعلن ترمب مشروعه " صفقة القرن " وتشمل النقاط التالية:
1.    ضم الكتل الاستيطانية الضخمة بالضفة للقدس لتصبح مدينة القدس الكبرى.
2.    إعلان قيام دولة فلسطينية منزوعة السلاح وإبقاء السيطرة الأمنية لإسرائيل
3.    اعتراف دول العالم، بما فيها الدول العربية بإسرائيل، كدولة يهوديَّة عاصمتها القدس، مع نقل جميع السفارات، بما فيها العربية، إلى القدس
4.    اختيار بلدة أبو ديس - 6 كيلو تبعد عن القدس- عاصمة لفلسطين .
5.     قيام أمني مشترك لدولة إسرائيل ودولة فلسطين، ويشمل أربع نقاط :
أ - دولة فلسطين منزوعة السلاح مع قوة شرطية قويَّة، وإيجاد تعاون أمني ثنائي وإقليمي ودولي . وهذا يعني أن  يظل الفلسطينيون مقموعين من دول العالم  جميعًا بما فيهم الدول العربية.
ب - وجود قوات إسرائيلية على طول نهر الأردن والجبال الوسطى . وهذا يعني أن تجعل الشعب الفلسطيني في عزلة عن العالم العربي، تحسبًا لمنع أي تعاون عربي مُسلَّح مستقبلاً لنُصرة الفلسطينيين .
ج - تُبقي إسرائيل على صلاحيات الأمن القصوى overriding security responsibility بيدها لحالات الطوارئ .
6. انسحاب القوات الإسرائيلية، وإعادة تموضعها تدريجيًا، خارج المناطق ( أ + ب )، في الضفة الغربية، مع إضافة أراضٍ جديدة من المنطقة (ج) ، وذلك حسب الأداء الفلسطيني (دون تحديد جدول زمني) وتعلن دولة فلسطين بهذه الحدود". وهذا يعني أن تُحْكِم إسرائيل وضعها الأمني وتتخيَّر أفضل المواقع لنفسها ! استنادًا على اتفاقية أوسلو التي قسَّمت  الضفة الغربية إلى 3 مناطق، هي "أ" و"ب" و"ج"، وتمثل المناطق "أ" نحو 18% من مساحة الضفة، وتسيطر عليها السلطة الفلسطينية أمنيًا وإداريًا، فيما تمثل المناطق "ب" 21%، وتخضع لإدارة مدنية فلسطينية وأمنية إسرائيلية.
أما المناطق "ج"، التي تشكل 61% من مساحة الضفة، فتخضع لسيطرة أمنية وإدارية إسرائيلية، ما يستلزم موافقة سلطات الاحتلال على أي مشاريع أو إجراءات فلسطينية بها.
7.    تخصيص أجزاء من مينائي أسدود وحيفا، ومطار اللد للاستخدام الفلسطيني، على أن تكون الصلاحيات الأمنية بيد دولة إسرائيل
8.    إيجاد ممر آمن بين الضفة وقطاع غزة تحت سيادة إسرائيل !
   وذلك يعني الفصل التام بين قطاع غزة والضفّة الغربية ! فتصبح الضفَّة الغربية معزولة تمامًا عمَّن حولها . بالإضافة إلى أنَّ الجدار سيفصل بين شمالها الضفَّة وجنوبها.
.9المياه الإقليمية، والأجواء، والموجات الكهرومغناطيسية" ، تكون تحت سيطرة إسرائيل.
أخيرًا صفقة القرن غير مسؤولة عن مشكلة اللاجئين.

    لم تقتصر التحديات التي يواجهها المقدسيّون على قوانين السلطة الإسرائيلية وتجاوزاتها اللامحدودة، بل أنّ قرارات ترمب تدفع إسرائيل للمزيد.

أجمع سياسيون ودبلوماسيون على أنَّ قرار الرئيس الأميركي رونالد ترمب الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال الإسرائيلي، فتح شهية سلطات الاحتلال على العمل المتسارع من أجل تغيير معالم المدينة المقدسة وفق الرؤية الاحتلالية القائمة على شرعنة التهويد وتغيير الخارطة الديمغرافية والضم والتهجير .
   بدأ الاحتلال بعد قرار ترمب يتحدث بصوت علني عن تقليص الوجود الفلسطيني في القدس وهدم المنازل ومصادرة الأراضي والعقارات، وتوسيع الاستيطان وتسمين المستوطنات، وتعديل القانون الحديث عن ضم مستوطنات جديدة تبدأ بمعاليه أدوميم وقيثار بالشرق، والتخلص من أحياء فلسطينية فيها اكتظاظ سكاني كمخيم شعفاط ورأس خميس وعناتا وكفر عقب، التي يوجد بها حوالي 100 ألف مواطنًا مقدسيًا، سيصبحون بلا هوية وبلا حق العودة للقدس، ويُقلَّص بالتالي عدد المقدسيين في بداية المعركة الديمغرافية التي أطلقتها اسرائيل بعد قرار ترمب . وقال رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان وليد عساف.
  إ نّ سلطات الاحتلال تريد أن تخلي 30 % من الأراضي الفلسطينية من خلال هدم التجمعات الواقعة في السفوح الشرقية لمدينة القدس والأغوار بشكل كامل، في إطار خطوة تترافق مع خطوات أخرى في مناطق أخرى، مشيرًا الى أنَّ هناك بُعدًا آخرًا لما يحدث، وهو عزل مدينة القدس تمامًا وربط المستوطنة الكبرى معاليه أدوميم مع مدينة القدس لمحاصرة التجمعات الفلسطينية ، وعزلها وفصل شمال الضفة الغربية عن جنوبها بشكل كامل، وتهجير آلاف العائلات الفلسطينية وهدم مساكنها. من جانبه أشار الخبير في شؤون القدس فؤاد الحلاق، الى وجود 18 تجمعًا بدويًا شرقيِّ مدينة القدس يقيم بها الآلاف من البدو تريد إسرائيل إزالتهم من مناطق سكناهم وطردهم الى أماكن أخرى، لفتح المجال لتنفيذ مخطط (A1) الذي يتمثل ببناء 3900 وحدة استيطانية تستوعب 20 ألف مستوطنًا على أراضٍ تقدر بـ 12 ألف دونم، وربط معاليه أدوميم بالقدس الشرقية، لاستحالة إقامة عاصمة للفلسطينيين في القدس المحتلة، لأنّ هذه المنطقة هي الوحيدة المتبقية للفلسطينيين للنمو السكاني والتوسع الحضري، ولإقامة عاصمتهم المستقبلية في القدس الشرقية وتوسعتها في هذه المنطقة.
   أوضح أحد مشايخ عرب الجهالين في القدس الشيخ ضيف الله أبو داهوك، أنّ العشائر البدوية الموجودة حول مدينة القدس، معظمها من قبيلة الجهالين ولهم دور في النّضال الفلسطيني منذ أن هُجّرت من أراضيها الأصلية الى داخل وخارج فلسطين، وقدّمت الكثير من الشهداء والجرحى والمعتقلين . وأضاف، أنّ الأراضي التي نسكنها تابعة للقدس الشرقية، وبعضها تابع للأوقاف الإسلامية، ورغم جميع الانتهاكات الإسرائيلية فلن نخرج من هذه الأرض التي تريد إسرائيل بشتى الوسائل إجبارنا على الخروج منها، مشيرًا إلى أنّ اسرائيل تضرب جميع القوانين والقرارات الدولية بعرض الحائط، ولا توجد جهة اسرائيلية نزيهة فيما يتعلق بمعاناتهم.
 وأكد أبو داهوك أنَّ أهم شيء في دعم التجمعات البدوية هو تثبيتها في مكانها، لأنّها عرضة لمشاريع الاقتلاع والترحيل بشكل دائم، مشيرًا الى أنَّ هدم منشآت سكناهم تزيدهم إصرارًا على انتزاع حقّهم في الحياة التي يريد الاحتلال مصادرتها، ضاربًا مثلًا بمدرسة أنشأها البدو من إطارات السيارات يدرس داخلها أطفالهم .
 إنّ الإسهام الأول والرئيسي الذي يقدمه البدو، هو مجرد سكناهم وصمودهم في هذه الأرض حماية لها، مشيرًا إلى أنّ العشائر في محيط القدس البدوية تعتبر خط الدفاع الأول خارج حدود المدينة، كما أسهموا في سكناهم في هذه الأرض واستصلاحها والصمود فيها في صد الهجمة الاستيطانية على كثير من أراضيها، رغم أنّهم الآن يواجهون مشاريع الترحيل من أراضيهم، وتهدُّم بيوتهم إلاَّ أنَّهم يعيدون بناءها من جديد كلّما هُدمت . وتختلف هذه التجمّعات البدوية : تجمّعات بدويّة ,شبه قروية، ورعويّة، وكل تجمع بحاجة الى مساعدة مختلفة تعينهم على الثبات في أماكنهم . يوجد تعاون كبير بين التجمعات البدوية وأهل القدس وعرب النقب وفلسطين عام 1948، ويعملون مع جميع الجهات من الأوقاف الإسلامية والهيئات الدولية، وحتى المحاكم الإسرائيلية في محاولة لمنع هدم منشآتهم ووقف الانتهاكات بحقهم .
وقالت "الإسرائيلية نفتيع مرشيف" المحامية عن التجمع البدوي الذي أُخطر سكانه بالإخلاء في جبل البابا: "من وجهة نظر قانوني تقوم إسرائيل بانتهاك كل القوانين ، وقانون حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي، الذي يمنع أي ترحيل للسكان الأصليين في المناطق المحتلة من أماكن سكناهم، بغض النظر إن كانت مرخصة أم غير مرخصة، مشيرةً الى أنَّ هدف اسرائيل من الاستيلاء على أراضي البدو هو ضمَّها إلى مخطط القدس الكبرى ".

  إنّ قرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الاعتراف بالقدس عاصمة لدولة الاحتلال الإسرائيلي، دفع سلطات الاحتلال على العمل المتسارع من أجل تغيير معالم المدينة المقدسة، وكأنَّ هذا القرار بمثابة شرعنة التهويد وتغيير الخارطة الديمغرافية والضم والتهجير، في وقت تؤكد محامية اسرائيلية أنّ "إسرائيل تنتهك كل القوانين، بما في ذلك قوانين حقوق الإنسان والقانون الإنساني الدولي ."
 من تلك الانتهاكات:
أولًا: قانون القومية الإسرائيلي العنصري
في 20/7/2018 أقرّ الكنيست قانون القومية بموافقة 62 نائبًا ومعارضة 55 نائبًا وامتناع نائبين عن التّصويت.
ينص هذا القانون على أنّ:
1.    إسرائيل هي الوطن التّاريخي للشعب اليهودي.
2.    وأنّ الشعب اليهودي فقط هو من يقرّر المصير في الدّولة.
3.    الإقرار بيهوديّة الدّولة يعنى أنّه ينزع من اللغة العربية صفتها الرسمية، ويصنّفها لغةً بمكانة خاصَّة،  بمعني أنّه ممكن مواصلة استخدامها في المؤسسات الإسرائيلية.
4.    ينصُّ أيضًا على أنّ تنمية الاستيطان اليهوديّ قيمة قوميّة، وعليه ستعمل إسرائيل على تشجيعه. علمًا بأنّ الاستيطان واحد من أبرز العراقيل أمام تطبيق حل الدولتين؛ إذ يقطع الأراضي الفلسطينية ويمنع التواصل الجغرافي بينها.
5.    يَعتبر القدس الكاملة والموحدة عاصمةً لإسرائيل، كما يعتبر اللغة العبرية هي اللغة الرسمية.
6.    يُغلق القانون باب العودة نهائيًا أمام الفلسطينيين، ويبقه مفتوحًا على مصراعيه أمام الهجرات اليهودية.
7.    يضرب القانون بعرض الحائط القرارات والدولية والأمميّة التي أكّدت على حق العودة والتّعويض، ومنها القرار 194.
8.    انحاز القانون للقومية اليهودية(التي لا وجود لها أصلًا) على حساب المواطنة، وهذا مُخالف للبناء السياسي للدولة الديمقراطية.
9.    يضع القانون الحجر الأساسي في عملية مؤسسة الفصل العنصري في الدّاخل المحتل بين العرب واليهود.
10.                   هذا القانون يُشَرْعِن لكل مُمارسات إسرائيل العنصرية والاستعمارية.
11.                   يُحوّل هذا القانون أصحاب البلاد إلى رعايا وليسوا مواطنين، كما يحرمهم من حق تقرير المصير، أو أيّة حقوق جماعية شرعية.
12.                   ينهي القانون أيّ احتمال للسلام المزعوم.
13.                   - ينتهك القانون منظومة قانون الدّولة التي ترتكز على مبادئ المساواة أمام القانون وسيادته.
14.                   يمثّل هذا القانون انتهاكًا للقانون الدّولي؛ إذ يقوم على ضم الأراضي والتّمييز وفرض الهوية على السكان بالاستيطان والطرد والتّهجير.
15.                   القانون يُعتبر نكسةً قانونيةً وضربةً قاضيةً للقانون الدّولي.
في وسط جدال سياسيّ كبير ومعارضة رئيس إسرائيل نفسها، أُسْقِطتْ بنود من هذا القانون، كانت ستنصُّ على إقامة مجتمعات لليهود فقط، كما تُلزم القضاء بالاحتكام إلى الشرع اليهوديّ عندما لا تكون هناك سابقة قانونية ذات صلة.
لن يُغيّر إسقاط هذه البنود من الواقع شيئًا، تسعى فيه إسرائيل إلى إقصاء الوجود العربيّ تمامًا وتهويد الأرض وشرعنة الاستيطان والاحتلال، فلا يزال قانونًا مُتطرّفًا لحكومة يمين مُتطرّف.
فإقرار هذا القانون يعني نعْي الدّيمقراطيّة التي تتغنّى بها إسرائيل إلى الأبد، بل ويعتبر جريمة كراهية، يرسّخ وبشكل مُطلق التّمييز ضد المواطنين العرب، خاصّةً ما يتعلق بالمستوطنات الإسرائيلية والتّقليل من شأن اللغة العربية.
وفقًا لمراقبين وحقوقيين فإنّ إقرار كل هذه الممارسات العنصرية بقانون رسميّ يعني أنّ القادم سيكون أخطر؛ لذا ينتظر الفلسطينيون إجراءً حاسمًا دوليًا ضد هذا القانون القائم على مغالطات صهيونية صارخة غير قابلة للتنفيذ
1.     ليس هناك قومية يهودية، فالقومية تعني قَوْم تجمعهم صلة اجتماعيَّة عاطفيّة، مُشْتَرِكَةً في الوطن واللغة ووحدة التاريخ والأهداف. وهذا ما لا ينطبق على الاسرائيليين القادمين من كل أنحاء الدنيا.
2.    هناك ديانة مسيحية وليست شعب مسيحيي، وديانة إسلامية وليست شعب مسلم، وبالتالي هناك ديانة يهودية وليست شعب يهودي! 
3.    كيف تكون إسرائيل هي الوطن التّاريخي لليهود، والكنعانيون القادمون من الجزيرة العربية هم أوّل من سكن فلسطين منذ أكثر من 5000 سنة؟
ثانيًا : الخان الأحمر من قضية شعب إلى قضية أممية
 الخان الأحمر ليست البداية، فكثيرًا ما تصدى الشعب الفلسطيني للتحديات التي واجهته، في مقدمتها تحدّيات السلطة الاسرائيلية التي لا حصر لها، والتي بدأت ببداية الاحتلال ولا تزال:
1.    بالتهجير القسري لأكثر من نصف الشّعب الفلسطيني بإقامة المذابح وهدم البيوت وزرع الألغام في الأنقاض حتى لا يعودوا إليها.
2.    إقامة الأسوار والحواجز على الممرات والتي حوّلت حياتهم إلى جحيم؛ حيث يقفون عليها بالسّاعات.
3.     قمع المقاومة الشّعبيّة السّلميّة إمّا بالاعتقال أو "بالطّخ" بالأعيرة النّارية أو المطّاطية، مع التّركيز على الشّباب والأطفال.
4.    قانون القوميّة اليهوديّة "الأبرتايت" الذي يُشَرْعِن لكل مُمارسات إسرائيل العنصريّة والاستعماريّة ويُحوّل أصحاب البلاد إلى رعايا وليسوا مواطنين ويحرمهم من حق تقرير المصير.
5.    إقامة المستوطنات على الأراضي الفلسطينيّة المحتلّة وجلب اليهود إليها من كل الأنحاء.
6.    اعتبار تنمية الاستيطان اليهوديّ قيمة قوميّة والعمل على تشجيعه وبخطّة مدروسة للغاية بعيدةً كلّيًا عن العشوائيّة؛ والهدف من خلاله تحقيق:
أ - إجهاض قيام دولة فلسطينية مستقبلاً، بقطع الأراضي الفلسطينية ومنع التّواصل الجغرافي بينها.
ب- العمل على ربط المستوطنات اليهوديّة بعضها ببعض.
 ج- مُحاصرة القدس بالكامل بالمستوطنات.
د-  بناء أحياء يهودية داخل أحياء عربيّة لِيَتَحَقّقَ مُحاصرتها وإعطائها الصّبغة اليهوديّة.
ه- تسير الخطّة الاستيطانيّة الإسرائيليّة بتوسع غير مسبوق، وما حقّقته في السّنة الأخيرة يفوق عشرة أضعاف ما تمّ في التّسعينات. من ذلك عدة قرى مُهدّدة بالإزالة مثل قرية الخان الأحمر المتواجدة قبل الاحتلال .
إنّ العشائر البدوية الموجودة حول مدينة القدس، معظمها من قبيلة الجهّالين بما فيها قرية الخان الأحمر . وقد كان لهذه العشائر دور في النّضال الفلسطيني منذ أن هُجّرت من أراضيها الأصلية في النّقب، الى داخل وخارج فلسطين، وقدّمت الكثير من الشهداء والجرحى والمعتقلين .
هدم الخان الأحمر مخطّط لوأد حلم الدّولة الفلسطينيّة لأهميّة موقعه البالغة، ليس لقربه فقط من القدس وإنّما أيضًا لأنّ احتلاله :
1- يقسِّم الضّفّة الغربيّة إلى قسمين غير متّصلين.
2- يعزل القدس تمامًا عن محيطها العربي الفلسطيني.
3- يُحَقّق لإسرائيل السيطرة الكاملة على الأراضي الممتدّة من البحر الميت حتى القدس.
4- بينما بقاؤه يمنع إسرائيل من إحداث التّمدُّد الاستيطاني الإحلالي.
   لذا يستميتُ سكانها في الدّفاع عنها رافضين قرار الهدم والتّرحيل مُنصّبين أنفسهم حُرّاسًا للبوّابة الشّرقية للقدس عازمين على الرّباط في أراضيهم،يساندهم في ذلك الفلسطينيّون الوافدون إليهم من كل مكان، وعشرات الأجانب المتعاطفين معهم، فضلاً عن التّلاحم الرّسمي المسؤل مع الشّعبي في مواجهة الاحتلال.
عزيمة من حديد لسكان هذه القرية، عددهم 400 شخصًا ومسانديهم بالمئات. واعين تمامًا لخطّة الاحتلال التي تريد إخلاء 30% من الأراضي الفلسطينية من خلال هدم التجمعات في السّفوح الشّرقية للقدس والأغوار بالكامل.
 18 تجمعًا بدويًا يقيم بها الآلاف من البدو، تريد إسرائيل إزالتهم من مناطقهم لتنفيذ مخطط (A1) لِيَتِمّ بناء 3900 وحدة استيطانيّة تستوعب 20 ألف مستوطنًا.
قُوبل هذا الصُّمود العملاق بقرار من الاحتلال بالهدم الذاتي لهذه القرية الذي قُوبل أيضًا بالرفض والرّباط  والصُّمود .
 لقد اتّخذت قضية الخان الأحمر بعدًا دوليًا بعرض الرئيس الفلسطيني لها أمام الجمعيّة العموميّة، وبذلك أخذت أنظار العالم تترقب الموقف. انْقَضَت المهلة منذ أيام ولا يزال الرّباط مستمرًا، ولا زلنا نترقب !

ثالثًا: الخطّة المُعَدّة للمهجَرين الفلسطينيين بعد أمركتهم
من المؤكد أنّ تصفية اللاجئين هدف ترمب القادم.
تدرك أمريكا أنّ تصفية القضية الفلسطينية مرهون بإخراج القدس واللاجئين من مفاوضات الحل النهائي ؛ لذا حرص ترمب على تصفية الأونروا الداعمة للاجئين الفلسطينيين بهدف تصفية القضية نفسها. بل يريد أيضًا القضاء على الهوية الفلسطينية، إمّا بتهويدها فكريًا داخل فلسطين المحتلة، أو إذابة الشخصية الفلسطينية داخل المجتمعات التي تعيش فيها، عن طريق توطينهم ودمجهم فيها .
ولكي يدفع ترمب بجميع دول العالم على تنفيذ ما يريد، بدأ بنفسه ووقّع مرسومًا تنفيذيًا بشأن استئناف استقبال المُهجّرين إلى  الولايات المتحدة،.وربط تقييم المُهجّرين بناء على احتمال نجاح اندماجهم وإسهامهم في أمريكا.
لم يكتف ترمب باستخدام أسلوب الجذب والإغراء بتجنيسهم، فهناك ضغوط قاهرة عليهم كما يحدث الآن في قرية الخان الأحمر شرق القدس، حيث رفض سكانها ومساندوهم هدم القرية بكاملها وإقامة مستوطنات جديدة، فأصدرت الإدارة الإسرائيلية قرارًا بإلزامهم  هدم منازلهم بأيديهم، وفرض غرامات تعجيزية على الرافضين، لإجبارهم على الرحيل واللجوء إلى أبواب الهجرة  المفتوحة أمامهم لأمريكا مع تجنيسهم.
   لم يهدف هذا القرار إلى تخفيف معاناة اللاجئين بتجنيسهم، وإنّما يهدف إلى القضاء على الهوية الفلسطينية، بألاّ يكون هناك شعبٌ فلسطينيٌ على الكرة الأرضية. ممّا يُفْقِد الشعب الفلسطيني حقّه في المطالبة باسترداد وطنه وحريته وكرامته العربية الفلسطينية إلى الأبد.
هذا القرار هو الأخطر على مصير هذا الشعب الذي أوّل من وطئتْ قدماه أرض فلسطين منذ أكثر من 5000 سنة وَوُصف في القرآن بأنّه "شعب الجبارين”.
تُرى ما الخطّة التي أعدّها  ترمب للفلسطينيين المهجّرين بعد أَمْرَكَتِهِم؟ وماذا هو فاعل بهم بعدما يجعلهم من رعاياه وتحت سيطرته؟
نستطيع أن نجزم بما سيتعرضون له  عندما نطّلع على بنود صفقة القرن التي جعلتهم وهم في بلادهم، في بؤر "كانتونات" متفرّقة بعضها عن البعض، وكأنّهم أرانب محبوسة في أقفاص، منعزلين تمامًا عن باقي البلاد العربية معرّضين للعقوبات من قبل دول العالم أجمع عند أي تحرك !
على الشعب الصامد إدراك حجم المؤامرة وأبعادها، وأن يكون كما عوّدنا صامدًا حتى النصر، وألاّ ينساق وراء قرارات ترمب التي يُصدرها وكأنّه مالكًا للكون كله! يسلخ شعبًا من وطنه وممتلكاته ويرمي به إلى الشتات ويقضي على هويته وشخصيته الوطنية،
ويأتي بمن كُتب عليهم الشتات في سائر أنحاء العالم ويمنحهم ذاك الوطن الذي حرّمه الله عليهم، كما عليه ألاّ ينساق وراء هذه المؤامرة الخطرة، فهي بمثابة الضربة القاضية على الدولة الفلسطينية إلى الأبد، فبمحافظته على هويته يُبقي له الحق في المطالبة بأرضه ووطنه الذي سيفقده حين يتخلّى عن جنسيته، وبذلك تتحوّل فلسطين من أن تكون قلب الأمة العربية النابض، لأن تكون خنجرًا قاضيًا على الأمة العربية .
كما يجب على  البلاد العربية عدم الرضوخ لضغوط أمريكا، وحفاظًا على أمنها القومي عليها الالتزام باتفاقيات جامعة الدول العربية بعدم تجنيس اللاجئين الفلسطينيين إليها، مع إعطائهم حق العمل والتعليم والعلاج، فضياع فلسطين يهدد وبشكل مُحقّق أمنها القومي .

رابعًا: إتباع الحكومة الإسرائيلية إجراءات أخرى للتهويد ، منها:
  إقرار 18 مشروع قانون حول إنشاء مستعمرات جديدة ودعم المستعمرات القائمة.
2۔ إصدار قرارات حكومية هدفت إلى دعم البناء الاستيطاني وتشجيع انتقال المستوطنين إلى الأراضي الفلسطينية المحتلة .
 3۔ تصويت الكنيست الاسرائيلي على قانون أساس القدس الذي تم وضعه عام 1980م وتقييد تعديله بموافقة ثلثي أعضائه.
وأوضح سفير منظمة التعاون الإسلامي لدى فلسطين، الدكتور "أحمد الرويضي" أنّ تصويت الكنيست الإسرائيلي على قانون أساس القدس يشكل رسالة سياسية الى الشعب الفلسطيني الذي يتحرك سياسيًا وشعبيًا ضد قرار ترمب، وأيضًا رسالة الى العالم العربي والإسلامي،  وأيضًا الموقف الدولي الرافض لقرار ترمب، فجاء تصويت الكنيست على تعديل القانون وتحديدًا الجزئية التي تقول إنّ «القدس الموحدة عاصمة لإسرائيل، ولن يجري أي تعديل على ذلك إلّا بموافقة 80 عضو كنيست من أصل 120»، وبما أنّ نظام الحكم في إسرائيل قائم على الائتلاف، فإنّه لن يكون هناك ائتلاف لديه 80 عضو كنيست، وهذا يعني أنّ القدس ستبقى عاصمة لدولة الاحتلال . وأعرب الرويضي عن اعتقاده أنّ التوقيت كان له بعدًا سياسيًا وليس بعدًا قانونيًا بالمطلق وليس مجرد تعديل قانون، وهي رسالة مفهومة جيدًا ، لأنَّه في الإطار الآخر لم يحدد مفهوم أين القدس الموحدة؟ 
  وأكّد أنَّ قرار ترمب في الحقيقة لن يغيِّر من الواقع على الأرض، ذلك أنَّ القدس الشرقية جزء من الأراضي التي احتلت عام 1967، والقرارات الدولية بالمجمل تجمع على ذلك، وكذلك قرار محكمة العدل الدولية وقرارات اليونسكو ومؤسسات الأمم المتحدة الأخرى، إضافةً إلى الكثير من الدول الأوروبية، وهذا يعني أنّْ العالم يُجْمع على أنَّ مستقبل القدس يتحدد في إطار سياسي ضمن عملية سياسية وليس بقرار فردي لا من الإدارة الأميركية ولا من الجانب الإسرائيلي . وأشار الرويضي إلى تبلور موقف واضح وصريح للقيادة الفلسطينية بأنّ الولايات المتحدة لن تكون راعية مؤتمنة على العملية السياسية في المستقبل، ويجري الحديث الآن عن الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي وروسيا والصين وأطراف دولية أخرى . وقال عضو الكنيست السابق، المحامي أسامة السعدي : " إنّ الاحتلال يريد تغيير الوضع في المدينة المقدسة بشكل رسمي وقانوني من جهة، وفَرَضَ على أرض الواقع، سياسة جديدة تتمثل بتهويد المدينة وطرد المقدسيين في أطار مخطط يجري تنفيذه على أرض الواقع لتغيير معالم المدينة المقدسة وهويتها ".

     فكما فعل الفلسطينيون من قبل وسطروا أروع نماذج الصمود والتضحية والفداء خلال هَبَّة الدفاع عن المسجد الأقصى، يخوضون اليوم مهمَّة الدفاع عن القدس وحماية المسجد الأقصى والمقدسات الإسلامية والمسيحية في المدينة المقدسة وعن كامل أرض فلسطين المحتلة. فطالما رأيناهم في مختلف المدن والقرى والمخيمات الفلسطينية، في مسيرات مُعبّرين عن غضبهم بكل عزة وشموخ وإباء بصدورهم العارية في مواجهة آلة الحرب الإسرائيلية، وسيواصلون معركة التصدي للقرار الأمريكي العنصري الذي انتهك كل القيم والأعراف، ومثَّل اعتداءً سافرًا على هذا الشعب وحقوقه الوطنية، حتى إسقاط هذا القرار، الذي لن يُنْشئ حقًا ولن يغيِّر وضعًا مسنودًا بقوة احتلال غاشم، ولن يبدل الهويَّة الحضاريَّة العربيَّة الإسلامية للمدينة الخالدة، مهما بلغت التَّضحيات . ونتيجةً لسياسة القتل العمد وإجراءات القمع التي تمارسها قوات الاحتلال الإسرائيلي بحق الفلسطينيين؛ حيث ارتقى خلال عام 2017م ، 78 شهيدًا ومئات الجرحى بالإضافة لاعتقال 3100 أسيرًا ليصل عدد الأسرى في سجون الاحتلال إلى 6400 أسيرًا، هذا هو الرباط الذي قال عنه سيد الخلق أنَّه أعلى درجات الجهاد ."أنْ تُثبِّت مرابطًا واحدًا في القدس، هو حماية للأقصى ". هكذا يقول وليد عساف رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان بالقدس وهو يُناشد الأمَّة العربية والإسلامية أمام مؤتمر الأزهر نصرةً للقدس، قائلًا : " لا نُريدُ منكم أن تقاتلوا عنَّا . نحن باقون، صامدون، نتحمَّل المعاناة نتحمَّلُ الهدم، نِنصاب، ننجرح، نتوقَّف على الحواجز ساعتين أو ثلاث، نمارس كل وسائلنا للمقاومة الشعبية. ولكن لا نريد أن نبقى وحدنا. ألاَّ يُسْمحْ للعالم أن يستفردوا بنا، أمريكا تُريد كسر القرار والإرادة الفلسطينية . كل الضغوط تُمارس علينا  . نُريدُ أحدًا أن يقف إلى جانبنا ليسندنا . لا نريد أن ننكسر . نريد منكم أن تقفوا معنا . أن تُبنى مدرسة أو صف دراسي بالقدس، يكون بمثابة تثبيت لأهالي الأطفال .أن تُبنى مستشفى أو جناح في مستشفى، فهو بمثابة تثبيت لأهالي القدس. عام 2000م إسرائيل أغلقت 18 مؤسسة فلسطينية. فنحن الآن بحاجة إلى مدارس (1200صفًا دراسيًا ) بحاجة إلى مستشفيات، جمعيات نسوية، نوادي. إسرائيل تريد أن تمنع أي وجود عربي إسلامي مسيحي في القدس" . انتهى ؛ لذا أقول : من هنا جاءت أهمية اقتراح الأستاذ محمد السماك رئيس لجنة الحوار الإسلامي المسيحي بلبنان؛ حيث اقترح تدشين مؤسسة لدعم القضية الفلسطينية فيقول : " نحن نحتاج إلى مؤسسة تُكوَّن باسم السفارة الإسلامية المسيحية من أجل نصرة القدس، تقوم بمهمَّة دعم المقدسيين ماديًا ومعنويًا وتشجيع الوجود العربي الفلسطيني الإسلامي المسيحي ليَتَجَذَّر في الأرض المحتلة لحماية القدس وحماية المقدسات الإسلامية !
مَكْرُ تِرَمْبْ أم مكر خالقه ؟
  ما حدث للهنود الحمر في أمريكا الشمالية لن يحدث للشعب الفلسطيني . ففلسطين ليست كأمريكا ، والشعب الفلسطيني ليسوا كالهنود الحمر .
بدأ تعالى في سورة الإسراء بقوله  : (سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَه ).
وصف الله أرض فلسطين بالأرض المباركة ، فقد خصَّها بأن تكون أرض الأنبياء والديانات السماوية ، والبركة بالتالي تعم ساكنيها الذين وصفهم على لسان اليهود أنَّهم قوم جبارين :
 
(قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ ).[17]
ومن شدّة مخافة اليهود من هذا الشعب الشامخ رفضوا دخول هذه الأرض المقدسة:
(قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا ۖ فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ.)[18]
ترتب على ذلك إنزال عقوبة الله عليهم بحرمانهم من هذه الأرض أبد الدهر ، وأيضًا كتب عليهم التيه لمدة أربعين سنة :
(قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ أَرْبَعِينَ سَنَةً [19]ۛ يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ ۚ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ([20]
كل هذه المعطيات يجهلها أو يتجاهلها ترمب ويريد أن يُركِّع الفلسطينيين ويكسر شموخهم وإرضاخهم لقبول صفقة القرن :
1.    بالالتفاف على ذوي السلطة في غزة لقبولها، مع أنّ الممثل الحقيقي للشعب الفلسطيني هي منظمة التحرير وليست حماس .
2.    اتباع أسلوب العنف والإرهاب والقتل وإقامة المجازر لسكان الضفة ، عن طريق إعطاء رخص سلاح للمستوطنين اليهود في الضفة ، يبلغ عددها 200000 رخصة سلاح ممَّن يستخدمها المستوطنون في قتل الفلسطينيين تحت حماية الشرطة الإسرائيلية بهدف ترحيل وتهجير الفلسطينيين من جديد . يريدون بذلك أن يعيدوا لأذهاننا ما حدث أثناء الانتداب من تطهير عرقي وتهجير للفلسطينيين.
3.    قرّرت إدارة ترمب  تصفية قضية اللاجئين ، وهذا ما أعلنته في مطلع شهر سبتمبر  2018م ، وذلك بسحب الاعتراف بالأونروا وبوقف دعمها بشكل تام وعدم تمكين الدول العربية من تقديم أية مساعدات لها وتطالب السلطات الإسرائيلية بالتضييق على عملها ، ممَّا يؤدي إلى تصفية الأونروا وتجفيف منابعها وفصل آلاف الفلسطينيين العاملين بها وإصابتها بالشلل التام بعد ما كانت تقدم خدماتها لأكثر من ستة ملايين من اللاجئين.  
4.    تحفيز سلطات الاحتلال على مضاعفة أعمال هدم منازل الفلسطينيين، ومحاربة المزارعين بمنعهم من الوصول إلى حقولهم بوضع العراقيل والحواجز، وتسليط الغازات الخانقة عليهم في مزارعهم، وتدمير أشجار الزيتون الكبيرة، وتجريف الأراضي الزراعية، والاستيلاء عليها لإقامة آلاف المستعمرات بهدف استقطاب أعداد جديدة من يهودي العالم، وتحفيز المستوطنين على طرد الفلسطينيين من منازلهم للاستيلاء عليها، وسرقة ثمار الزيتون ، وكذلك سرقة  ألوف شتلات الزيتون.
5.     الزعم بأنّ عدد اللاجئين التابعين للأنوروا 40،000 لاجئًا ، بينما هم  من أكثر من ستة ملايين
6.    توسعة حائط البراق على حساب الأراضي الفلسطينية.
فهي بذلك ضاربة بقرارات الأمم المتحدة والقوانين الدولية عرض الحائط .
 
ما جاء في الحديث القائل :" وإنّ أفضل جهادكم الرباط وإن أفضل رباطكم رباط عسقلان." وعسقلان هنا تعني غزة "التي كانت منذ الفتح الإسلامي حتى الغزو الصليبي تابعة لعسقلان ، وعرفت بــــ " غزة عسقلان
  ولِنَتَذَكّر دائمًا قوله تعالى ( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) [21]
مؤكد عدل الله قادم وسنرى.
 ترمب و...الهُويّة الفلسطينيّة!
    ما يريده ترمب من تصفية الأونروا، هو تصفية القضيّة الفلسطينيّة . فوجود الأونروا يخلّد قضية اللاجئ الفلسطيني الذي يعتبر الشاهد الأكيد على معاناة الشّعب الفلسطيني. فهو ينظر إلى الأونروا أنّها منظمة سياسيّة لإعادة تأهيل اللاجئين، وبالتّالي ستكون عقبة أمام عملية السّلام . 
ولكي يتخلّص من هذه المشكلة، فهو يعمد لتهويد النّاشئة الفلسطينيين :
١- بغلق مدارس الأونروا التي ترسّخ انتماءاتهم الوطنيّة والدينيّة والقوميّة وتراثهم الثّقافي، وتعزّز في نفوسهم العزّة والكرامة والشُّموخ والاعتزاز بشخصيّتهم العربيّة الفلسطينيّة وبحضاراتهم العربية العريقة التي كانت أساس الحضارة الحديثة .
٢- بضم طلبة مدارس الأونروا إلى المدارس اليهوديّة، لتهويدهم . ليس فقط بمجرد الاكتفاء بفرض صورة قاتمة عن العرب في أذهان أبنائهم،  وإنّما تجاوز إلى أنّ المناهج الصهيونيّة تنتقي بشكل حثيث كل فقرة أو لفظة لتهويد فكر النّاشئة الفلسطينيين بسلخهم عن تراثهم وتفقدهم روح الانتماء الوطني والقومي والديني وتعزّز تجسيد الفرقة والطائفيّة بين العرب والمسلمين.
كيف يمكن لترامب أن يعيد صياغة العقليّة الفلسطينيّة بما يتّفق مع ما جاء في المناهج اليهوديّة التي انتقدها الباحث الاسرائيلي د/ايلي فودا بعمل دراسة تحليليّة لستين كتابًا مدرسيًّا عبريًّا عبر أربعين عامًا ؟
تنبع أهميّة هذه الدّراسة أنّها صادرة من الجامعة العبريّة في القدس المحتلّة، وتقول الدّراسة، إنّ كتب التّدريس المعتمدة  تلصق أوصاف غشاش ومتخلّف ولص بالشّخصية العربيّة . وقد تمحورت هذه المناهج فقط حول تاريخ أرض إسرائيل والشّعب اليهودي والصّراع العربي اليهودي . وقد وُضعت على يد مؤلفين صهاينة حاقدين على كل من هو مسلم وعربي أو لا يفهمون شيئًا عن العرب والمسلمين ؛ لذلك تضمّنت كتب التّاريخ حقائق مشوّهة ومزوّرة ، وتذكر الدِّراسة قصّة الاستيطان الإسرائيليّة فتقول في كتاب رحلة مع المستوطنات الأولى للصّفوف الدنيا جاء الوصف التّالي عن اللقاء الأول مع العرب الفلسطينيين في قرية عربيّة مجاورة : " كان النّاس نحيفين وجوههم صفراء والذّباب يتنزّه عليها دون أن يحاولوا طرده.. وكثير منهم كانوا عميانًا يمشون وهم يمسكون بأيدي بعضهم البعض يتحسّسون طريقهم بالظلمة، أمّا الأولاد فساروا حفاةً وعيونهم مريضةً وبطونهم منفوخة وآثار لسعات الحشرات بادية على أجسادهم ، كل هذا من أجل تثبيت مقولة: "فلسطين أرض بلا شعب".
كيف ممكن للاجئ فلسطيني أن يقتنع بما جاء في هذه المناهج ، وهو يعيش معاناة اللاجئ بكل أبعادها الحقيقيّة بينما هو في ظل رعاية الأونروا التي لم تستطع بإمكانياتها الفقيرة أن تهيّئ له الحد الأدنى من سبل العيش الكريم : بطالة فائقة وتكدُّس بشري رهيب ضمن مساكن تعيسة متلاصقة، تخترقها الأمطار وتطفح فيها المجاري على ساكنيها وربما أثناء تناولهم للطّعام . لا يتمتّعون بالحد الأدنى من حياة خاصّة ، حتى لو تهامس الرجل مع زوجته، بل لا تتوفر لديهم مياه شرب نظيفة ؟ 
كيف ممكن لترامب أن يعيد صياغة العقليّة الفلسطينيّة بما يتفق مع هواه، وهو يتخطّى الإرادة الإلٰهية من أجل تحقيق إسرائيل الكبرى؟
   ويمنح لإسرائيل القدس التي حرّمها الله عليهم بموجب القرآن والتوراة غير المحرّفة ؟ بل وأيضًا يتخطّى الحقائق التاريخيّة والقوانين الدوليّة والأمميّة والكشوفات الأثريّة؟
   كشفت مؤخرًا شركة أخبار عبريّة أنّ هناك تنسيق بين الإدارة الأمريكيّة وإدارة الاحتلال يهدف إلى سلب وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين وإنهاء عملها وجميع صلاحيّاتها وإغلاق جميع مؤسّساتها في القدس المحتلّة بما في ذلك المدارس والعيادات ومراكز الخدمات المعنيّة بالأطفال، بالإضافة إلى سحب تعريف شوفاط كمخيّم لللاجئين ومصادرة الأراضي المقام عليها . كما أعلنت القناة أنّ المحرّك الرئيس لهذا المخطّط استند إلى الخطوات التي اتّخذها الرئيس الأمريكي بحق المدينة المحتلّة مؤخرًا، الأمر الذي شجّع رئيس بلديّة الاحتلال إلى المُضِيِّ قُدمًا في مخطّطه الرّامي إلى نقل الخدمات المقدّمة من الأونروا إلى ما وصفته بالسّيادة، بحجّة أنّ نهج الأونروا تّجاه السُّكان كلاجئين  يمنع نموّهم.
ويرى رئيس بلديّة الاحتلال أنّه يجب النّظر إليهم كسكّان بحاجة إلى إعادة تأهيل، كما يرى أنّ السلطة الفلسطينيّة تُخلّد مشكلة اللاجئين ويقول نحن لسنا بحاجة إلى لاجئين فلسطينيين.
 السّلامة تقتضي إلى تحويلهم إلى سكّان وليس لاجئين .
هكذا تريد أمريكا وإسرائيل شطب كلمة لاجئ فلسطيني من القاموس العربي، حتى لا يترتّب على ذلك حقوق يطالبون بها، مع استمرار كل المعاناة التي يعيشها اللاجئ.
*****
الفصل الثالث: منظمة الأونروا
تعريف منظمة الأنروا

هي وكالة الأمم المتحدة لغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين، وتنمية الموارد البشرية لديهم ، والعمل علي تقديم الدعم والحماية  وكسب التأييد لهم ، والعمل على إيجاد حل لمناعاتهم، واختصارها " أونروا"، mتغطي خدمات الأونروا للاجئين الفلسطينيين المقيمين في مناطق عملياتها الخمس وهي الضفة الغربية وقطاع غزة ولبنان والأردن وسوريا، والبالغ عددهم  أكثر من (6) مليون  لاجئ .
تاريخ تأسيسها
تأسست 8 ديسمبر عام 1949، ومقرّها فينا وعمّان , وبدأت أعمالها في أول مايو سنة 1950م
تمويلها
يتم تمويلها بالكامل تقريبًا من خلال التبرعات الطوعية التي تقدمها الدول الأعضاء في منظمة الأمم المتحدة، وأكبر المانحين للأونروا هي الولايات المتحدة والمفوضية الأوروبية والمملكة المتحدة والسويد ودول أخرى مثل دول الخليج العربية والدول الإسكندنافية واليابان وكندا.
مهامها
1.    تنفيذ برامج إغاثة وتشغيل مباشرة بالتعاون مع الحكومات المحلية.
2.    التشاور مع الحكومات المعنية بخصوص تنفيذ مشاريع الإغاثة والتشغيل والتخطيط استعدادًا  للوقت الذي يستغنى فيه عن هذه الخدمات.
أوجه إنفاق أموالها     
لبرامج التعليم 54%
لبرامج الصحة 18%
للخدمات المشتركة والخدمات التشغيلية 18%
لبرامج الإغاثة والخدمات الاجتماعية 10%
الفرق بين الأونروا والمفوضية السامية
تقتصر مسؤولية الأونروا على توفير خدمات لمجموعة واحدة من اللاجئين وهم الفلسطينيون المقيمون في مناطق عملياتها، في حين أنّ المفوضية السامية مسؤولة عن اللاجئين في بقية أنحاء العالم. والأونروا مكلفة بتقديم مساعدات إنسانية للاجئين الفلسطينيين، في حين أنّ المفوضية السامية مكلفة بتوفير حماية دولية للاجئين المشمولين بولايتها وإيجاد حلول دائمة لمشكلتهم بمساعدة الحكومات.[22]

كيف تكونت الأونروا؟
     عندما يهدد الخطر إنسانًا فإنّه يسعى للحصول على ملجأ يأويه، ولكن عندما يجتاح الخطر شعبًا فهل ترضيه فكرة اللجوء؟
عندما غادر اللاجئون الفلسطينيون ديارهم كانوا بين خيارين أحلاهما مر ! إمَّا الموت المعنوي أو الموت المادي .
الموت المعنوي: هو الترحيل قسرًا عن الديار والأرض والعيش فوق أرض جديدة في مخيمات تفتقر إلى الحد الأدنى المطلوب للحفاظ على كرامة البشر. كل هذا على أمل العودة .
والموت المادي: هو المُمارس يوميًا من قبل دولة ما فتئت حتى قبل إنشائها بواسطة عصابات خرق قواعد القانون الدولي وارتكاب الجرائم وأعمال العدوان. وتوجد بيانات وأقوال لزعماء صهاينة تدل على ما عمدوا اقترافه ثم اقترفوه دون أي معارض أو رادع من قبل المجتمع الدولي، فتسببوا بخلق مأساة الشعب الفلسطيني واقتلاعه من وطنه وجلب مجموعات بشرية متفرقة من أنحاء الأرض لتحل محل هذا الشعب وتأخذ مساكنه وممتلكاته، وتتنصل إسرائيل ومعها المجتمع الدولي من تحمُّل مسؤولية هذه القضية التي تتوالى فصولا قرابة سبعين عامًا . فمن هو اللاجئ الفلسطيني الذي خصَّته الأونروا بتعريف يختلف عن  تعريف الأمم المتحدة للاجئ عمومًا الوارد في اتفاقية 1951؟
فتباينت المواقف من هذا التعريف تبعًا للنطاق الزمني والمكاني والعددي الذي ينبغي أن يشمله التعريف .
وتباينت المواقف العربية والإسرائيلية حول تفسير القرار 194 هذا القرار الهام الذي يشكل أساسًا قانونيًا لحقّ اللاجئين في العودة والتعويض .
فما هي الأسباب التي اتبعتها إسرائيل للالتفاف على قرارات الشرعية الدولية ومنها القرار 194؟
ولتتخذ إجراءات مضادة لهذه الأحكام من سن للقوانين التعسفية التي تمكنها من الاستيلاء على الأراضي العربية وانتهاك حقوق أصحابها .
وخلق أجواء من الطروحات البديلة عن حق العودة للفلسطينيين، طروحات بدأت منذ بداية جريمة التهجير إلى وقتنا الراهن .
والتي تطرح على ألسنة المسؤولين الإسرائيليين أحيانًا والأمريكيين أحيانًا أخرى وحتى على ألسنة بعض العرب والفلسطينيين المتأثرين بالتعنّت الإسرائيلي وما هو موقف الدول المضيفة؟ وهل هو موقف موّحد أو متباين تبعًا لأوضاعها السياسية والديموغرافية والاجتماعية وتوجهها القومي لينعكس هذا الوضع تباينًا على معيشة اللاجئين وحالتهم القانونية والاقتصادية؟ وما هو الدور الذي يمكن أن تلعبه المفاوضات كعامل لصون الحق الفلسطيني أو التفريط به. وخوفًا من أي تنازل عن حق العودة بدأ اللاجئون بسلسلة من التحركات الهامة في فلسطين ودول المهجر ليكونوا هم المرجعية في الدفاع عن حقوقهم الكاملة التي يضمنها القرار 194, لاسيما مع استمرار الموقف الإسرائيلي الرسمي وشبه الرسمي بسعيه لإبطال مفعول هذا القرار، وحل الأونروا هذه المنظمة التي تباينت المواقف منها منذ بداية عملها في عام 1950م .
موقع اللاجئين في الأجندتيْن الأمريكية والإسرائيلية
   ذكرتُ في بحثي “إسرائيل والتطهير العرقي للفلسطينيين” أنَّه نتيجةً للمذابح المُروِّعة وأعمال العنف الرهيبة التي مارسها الصهاينة مع الفلسطينيين، هُجِّرَ أكثر من 800 ألفًا عربيًا، وهذا الرقم يعادل أكثر من نصف سكان فلسطين آنذاك. وفي نفس البحث، ذكرتُ أنَّ مناحم بيجن صرَّح في مؤلفه" الثورة" أنَّ مذبحة دير ياسين أسهمتْ مع غيرها من المجازر الأخرى في تفريغ 650 ألفًا عربيًا، وأضاف "لولا دير ياسين لما قامت إسرائيل". وأعلنتْ الأونروا الخاصَّة برعاية اللاجئين، أنَّه عند بداية عملها1950م، استجابت لاحتياجات 750 ألف لاجئًا فلسطينيًا، أصبحوا عام 1917م حوالي خمسة ملايين لاجئًا. هذا فقط ما يخص المُهجّرين إلى البلاد العربية، وكانوا يعيشون في خِيَم تحوَّلتْ فيما بعد إلى مُخَيَّمات، وهم على الدوام في حاجة ماسة للمساعدة غير شامل أعداد أخرى سافرت إلى الأصقاع البعيدة من العالم، واعتمدوا على أنفسهم في تسيير معيشتهم، ولم ينضمُّوا إلى الأونروا! وأخيرًا يأتينا ترمب ذاكرًا في خطَّته "صفقة القرن" "توصي الخطة، بإيجاد "حل عادل لقضية اللاجئين من خلال دولة فلسطين". وهنا أتساءل ، كيف يكون لدولة فلسطين التي جعلها في مشروعه "صفقة القرن "دولة كسيحة منزوعة السلاح، معزولة عن كل العالم، شعبها مُشتَّت في بؤر سكنية منفصلة عن بعضها البعض، فستكون عبارة عن كانتونات متقطعة وبين كل كانتون وآخر عشرات الممرات والمعابر التي تتحكم بها إسرائيل؟ خاضعة لقمع دولي وتُطالبْ بعد ذلك بحل مشكلة اللاجئين، بعدما سُلِبتْ أراضي اللاجئين ومُنِحتْ للغاصب المُحتل؟ بل بالعكس اتَّخذ ترمب من مشكلة. اللاجئين ورقة ضغط قويَّة على الحكومة الفلسطينية، كي ترضخ لما جاء في مشروعه" صفقة القرن". إذ أعلنتْ أمريكا أنَّها جمّدت 125 مليون دولار من تمويلها للأونروا. وهو يعلم أنَّ الأمم المتَّحدة أنشأت هذه الوكالة عام 1949م أعقاب اغتصاب إسرائيل لفلسطين، والغرض من إنشائها تقديم برامج الإغاثة المباشرة والتشغيل للاجيئ فلسطين. فمن المعلوم أنَّ الأونروا تُموَّل بشكل كامل من خلال التبرعات الطوعية للدول الأعضاء في الأمم المتَّحدة. فها هو اليوم يريد أن يُقدِّم  الضربة القاضية لللاجئين.
 في الحقيقة مشكلة اللاجئين ليست في دائرة اهتمام أمريكا وإسرائيل، ما تريده أمريكا وإسرائيل هو أن تُحوِّل الشعب الفلسطيني بأكمله إلى شعب لاجئ، لتبقي أرض فلسطين خالصةً لليهود الصهاينة. فإن كان يبدو في الظاهر أنَّ مشروع "صفقة القرن" يدعو لقيام دولة فلسطينية ذات حكم ذاتي أبدي. إنَّ ما خفي كان أعظم. فهذا المشروع هو مرحلة انتقاليَّة، تنتهي بطرد الفلسطينيين من جميع أراضيهم ليستقر أهالي الضفة الغربية في دولة الأردن، وأهالي غزة يستقرّوا في سيناء، وهذا ما أُعلن سابقًا باسم "الوطن البديل"، وتبقى أرض فلسطين بالكامل للدولة اليهودية الغاصبة.  ولنتذكر دومًا قوله تعالى:(وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِين[23] (

الأعمال التمهيدية لتهجير الفلسطينيين

منذ العام 1948 وحتى العام 1974 م عالجت الأمم المتحدة قضية الشعب الفلسطيني الذي يحمل خصائص شعب متميز وفق الاعتبارات القانونية والتاريخية والحضارية لجميع الشعوب الأخرى، عالجتها كقضية لاجئين فحسب.
فقد طلبت بريطانيا إدراج بند قضية فلسطين على جدول أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في ربيع 1947 فَأُدْرجت فعلًا.
ولكن إخراج الشعب الفلسطيني من وطنه فلسطين بالقوة كان أحد العوامل التي أدت إلى معالجة الموضوع كقضية لاجئين. وأضيف إلى ذلك التقهقر العربي والتآمر الدولي في السنوات الأولى من حياة الأمم المتحدة الذي أدى بصورة متعمدة مدروسة إلى طي بند قضية فلسطين من جدول أعمال الأمم المتحدة عام 1951م،  والاحتفاظ بقضية اللاجئين تحت بند "التقرير السنوي للمفوض العام لوكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى _ الأونروا " واستمر الأمر كذلك حتى عام 1974 حين أعيد إدراج بند " قضية فلسطين " كبند مستقل على جدول أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة فتغيرت القرارات وتغيرت معالجة الحقوق.
  لقد أعطى هذا التطور الجديد على الساحة الدولية إطارًا دوليًا جديدًا لمعالجة قضية اللاجئين وحقوقهم على أنّها قضية شعب يكافح من أجل استرداد وطنه لا قضية إغاثة وخدمات تقوم بها الأونروا، والقصة بين طي القضية وإعادة إدراجها، تشكل واحدة من أحلك قصص التآمر الدولي، ويجدر التنبيه إليها منذ البدء لارتباطها الوثيق بالفهم القانوني والتاريخي لموضوع حقوق اللاجئين، ولأنّها الإطار الذي تطورت داخله معالجة هذه الحقوق. وعندئذ تصبح قضية اللاجئين العرب من فلسطين أكثر من مجرد حصر للنصوص الدولية التي حددت هذه الحقوق وتحليل مضمونها؛ لأنّ السؤال الأول الذي يُطرح ولا يمكن فهم قضية حقوق اللاجئين على أعمق مستوى فكري وقانوني وسياسي وتاريخي بدونه هو:
_ كيف تحولت حقوق شعب بكامله إلى مجرد قضية لاجئين؟ أَمِنْ قبيل الصدف أن ينفرد الشعب العربي الفلسطيني، بل الأمة العربية بكاملها بين جميع شعوب العالم في مجابهة الاستعمار الاستيطاني" الذي ما زال يضرب جذوره في فلسطين؟ وكيف تعطلت الحقوق العربية وأُبطلت؟
كل هذه الشؤون تبقى محور تساؤل ولا جواب لها إلّا بالانتفاضة في فلسطين؛ حيث أنّ ما أُخذ بالقوة لا يُسْترد إلّا بالقوة ...
لم يتم تهجير الشعب الفلسطيني بشكل عشوائي، إنَّما كان نتيجة مؤامرة محكمة مرّت بعدة مراحل، ففي البدء كان قد تم التداول في الأوساط اليهودية سرًّا عن فكرة جعل فلسطين وطنًا قوميًا لليهود، وإبعاد سكانها الأصليين ومن ثم التداول بها علنًا على ألسنة كبار زعماء الصهاينة، بعدها شرع بتنفيذ هذه المؤامرة والقيام بالأعمال التحضيرية لها من شراء الأراضي عبر الوكالة اليهودية، وتشجيع هجرة اليهود إلى فلسطين، ومن ثم نُفِّذت هذه الجريمة على مرأى ومسمع الديموقراطيات الغربية التي ترفع شعار الحرية والديموقراطية وحق تقرير المصير والدفاع عن حقوق الإنسان.
بدأت  الأعمال التمهيدية لتهجير الفلسطينيين عام (1882) حيث صرّح العديد من زعماء اليهود بإعلان أهداف الحركة الصهيونية بأنّ فلسطين يجب أن تكون وطنًا قوميًا لليهود وتهجير مواطنيها العرب الأصليين إلى الدول المجاورة، وقبل نصف قرن من إعلان دولة إسرائيل أعلن مؤسس المنظمة اليهودية للاستعمار والأراضي، إسرائيل زنكويل: "أنّ فلسطين وطن بلا سكان فيجب أن تُعطى لشعب بلا وطن، وأنّ من واجب اليهود في المستقبل أن يضيِّقوا الخناق على سكان فلسطين العرب حتى يضطروهم إلى الخروج منها. وأثناء الحرب العالمية الأولى (1914_1918) حصل اليهود من بريطانيا وحليفاتها على موافقتهم لجعل اليهود هم أكثرية السكان في فلسطين .
وبعد أنّ انضم قسم كبير من يهود أمريكا إلى الجمعية الصهيونية اتصلوا بالرئيس(ولسون) لمساعدتهم للحصول على تصريح من الحلفاء بجعل فلسطين وطنًا قوميًا لليهود فأعلن مستشار الرئيس(ولسون) للشؤون اليهودية الاستجابة لهم. وبعد معاهدة سايكس بيكو بين بريطانيا وفرنسا واحتلال فلسطين من قبل بريطانيا أعلن رجال اليهودية العالمية وزعماء الجمعية الصهيونية التي أصبحت تُعرف بالوكالة اليهودية بأنّهم:" يريدون أن تصبح فلسطين بأجمعها لليهود". وعلى أثر اضطرابات دامية بين الفلسطينيين واليهود في يافا، شكَّلت الحكومة البريطانية لجنة تحقيق برئاسة توماس هيكرافت سنة (1921) وكان الدكتور آيدر رئيس الجمعية الصهيونية الشاهد اليهودي الرئيسي الذي قال:" إنّ خطة اليهود هي أن يصبحوا أكثرية السكان في فلسطين، وأنّه يجب أن يُنزع السلاح من العرب ، وأن يُعطى حق حمل السلاح للشعب اليهودي فقط ليدافع عن نفسه ويعمل على تحرير وطنه التاريخي. كُتّاب كثيرون كتبوا عدة مقالات توضح نيَّة اليهود الحقيقيّة أن على اليهود أن يطهِّروا وطنهم فلسطين من المغتصبين، وأنّ على سكان فلسطين أن يرحلوا إلى الحجاز والصحراء، وأنّ على سكانها المسيحيين أن يجلوا عنها إلى لبنان .”
أقرّ صك الانتداب وعد بلفور واعترف بالوكالة اليهودية التي أقيمت في فلسطين عام (1922) حسب المادة الرابعة من صك الانتداب [24].
وجاءت إلى فلسطين لجنة صهيونية برئاسة "حاييم وايزمان" لتكون هيئة استشارية لحكومة الانتداب فيما يتعلق بشؤون اليهود وعيّنت إنكلترا اليهودي الإنكليزي هيربرت صموئيل مندوبًا ساميًا لها في فلسطين وأكثر من تعيينهم بالوظائف الإدارية والأمنية وأقطعهم أراضً واسعة في سهل مرج ابن عامر ومنحهم تسهيلات في جميع المجالات .
وعمد اليهود إلى أمرين خطيرين،  هما:
أولهما : زيادة عدد المستوطِنين اليهود بالهجرة .
ثانيهما: زيادة تملكهم للأراضي .
وقد زادت هذه الهجرة بعد عام1933عند استلام هتلر السلطة في المانيا بحجة اضطهادهم فازداد عدد السكان في بداية الانتداب إلى 34% في عام 1948ليصبح عددهم 750 ألفًا بعد أن كان 50 ألفًا .
ب_ أمّا بالنسبة لتملك الأراضي فقد دُعِّمَ من قبل صندوق الأمة اليهودي الذي أنشئ سنة (1898) وبمؤازرة الانتداب البريطاني الذي فرض ضرائب باهظة على الأبقار التي تحرث الأرض. مما أضطر أصحابها  لبيعها أو ذبحها والاستغناء عن حرث الأرض وبيعها.
     هذا وقدمت الحكومة البريطانية (500 ألف دونم) من أملاك الدولة للوكالة اليهودية وكان أغلبها من أحسن الأراضي وأخصبها. واستعملت القوة لطرد العرب من 22 قرية من مرج ابن عامر تقطنها 2746عائلة عربية وأخرج 15500عربيًا من أراضي وادي الحوادث و 15000عربيًا آخرين من أراضي الحولة، كما أخرج غيرهم من أراضي الساخن، وطبعون، والزبيدات، والمنسي وغيرها، ولذلك أصبحت نسبة الأراضي التي يملكها اليهود حوالي  2مليون دونم سنة 1948م، وقد رخّص الانتداب لليهود بتشكيل المنظمات العسكرية لتسليح الشباب وتدريبهم . وذكر الدكتور "وايزمان" في مذكراته التي ظهرت في عام 1949حيث قال" أنّه اتفق مع الحكومة البريطانية التي تبنت الحركة الصهيونية على تسليم فلسطين لليهود خالية من سكانها. وخلال الحرب العالمية الثانية دخلت أمريكا شريكا في الجريمة عندما أيد الرئيس الأمريكي روزفلت" وزعماء الحزبين الرئيسيين في أمريكا تأييدهم لقرار المؤتمر الصهيوني العالمي الذي عقد في نيويورك في 11/أيار/1942 الذي ينص على أن تكون فلسطين دولة يهودية "كومونولث" وأن يجلوا العرب عنها إذا كانوا يعارضون ذلك. وفي نفس العام صرّح "بن غوريون" أنّ الصهيونية قد انتهت من وضع خطتها النهائية وهي أن تصبح فلسطين دولة يهودية، وأنّ اليهود لا يستغنون عن أي قسم من فلسطين حتى قمم الجبال وأعماق البحار .

بعد انسحاب الإنكليز من فلسطين في 14 أيار سنة 1948 سلَّموا اليهود معظم المدن والقرى العربية، وبعد أن تركوا للقوات اليهودية كميات وافرة من الأسلحة والعتاد والمصفحات والدبابات والسيارات ومراكز البوليس والمطارات والمؤن والملابس .
 وبعد احتلال مدينة عكا والقرى المحيطة بها وقرى منطقة يافا وعددًا من قرى منطقة القدس والمجدل وطول كرم، طردوا معظم أهلها منها، وطرد اليهود من امتنع عن الخروج بالقوة، ممَّا أدى إلى ارتفاع عدد اللاجئين، وانسحب قائد القوات الأردنية الإنجليزي الجنسية الجنرال "كلوب باشا" فجأة من اللد والرملة وعشرات القرى المحيطة بها لتقع بأيدي اليهود لقمة سائغة بحجة إقامة الهدنة التي فُرضت على أثر تدخل الجيوش العربية لإنقاذ فلسطين في 15 أيار سنة 1948, ثم عقدت الهدنة الثانية، وتوالت بعدها اعتداءات اليهود، وتغاضت الأمم المتحدة والدول الكبرى عن هذه الاعتداءات رغم القرارات الصريحة المتخذة للمحافظة على الهدنة التي كانت من جانب واحد بينما استمر اليهود في الاعتداء واحتلال الأراضي، فانسحبت قوات الدول العربية ، ثم وقعت اتفاقية (رودس)وأعقبها تسليم السلطات الأردنية قسمًا كبيرًا من أراضي المثلث العربي لليهود مع مساحات واسعة من أراضي منطقة القدس وبيت لحم والخليل والبحر الميت التي هجرها قسم كبير من أهلها بسبب مظالم اليهود وجرائمهم فقد ارتكبوا في قرية(الدوايمه) ما ارتكبوه في قرية دير ياسين ليصبح عدد اللاجئين في ربيع عام 1949 نحو مليون فلسطيني مشرد.

 تضمَّنت اتفاقية الأمم المتحدة المتعلقة باللاجئين الفلسطينيين لعام 1951 تعريفًا حدّدت به متى يكون الشخص لاجئًا ثم أعطي التعريف بعدًا أوسع في بروتوكولات عام 1967 وميثاق المفوضية العليا للاجئين واتفاقية منظمة الوحدة الأفريقية بشأن اللاجئين في أفريقيا عام ،1969 وهكذا فإن مفهوم اللاجئ يمكن أن يضيق ويتسع تبعًا للظروف والمصالح، وهذا ما حصل في تعريف اللاجئ الفلسطيني من قبل منظمة الأونروا عند إنشائها بالقرار 302/4 عام 1949، وللتعريف أبعادًا هامة وخطيرة بالتقليل من عدد الذين يعتبرون لاجئين وبالتالي مشمولين بحق العودة الذي ينص عليه القرار 194. عرّفت الأونروا اللاجئ الفلسطيني والمتحدرين منه: "أي شخص كانت فلسطين مكان إقامته الطبيعي خلال المرحلة الممتدة من حزيران/يونيو 1946 إلى أيار/مايو 1948 وفقد مسكنه وسبل عيشه نتيجة حرب 1948." وبوجه عام يبقى هذا التعريف متفقًا عليه عمليِا لتحديد اللاجئين الفلسطينيين. أما الوفد الفلسطيني في الاجتماع الأول لمجموعة العمل الخاصة باللاجئين ( R W G ) في أوتاوا (كندا) يوم 13 أيار/مايو 1992 فكان قد عرّف اللاجئين الفلسطينيين على أنّهم أولئك الفلسطينيون ومن تحدر منهم الذين طُردوا من مساكنهم أو أُجبروا على مغادرتها، بين تشرين الثاني/نوفمبر 1947 (قرار التقسيم) وكانون الثاني/يناير 1949 (اتفاقية الهدنة في رودوس) من الأراضي التي تسيطر إسرائيل عليها في التاريخ الأخير أعلاه.
  ويتطابق هذا مع التعريف الإسرائيلي للغائبين، أي فئة الفلسطينيين الذين جُرِّدوا من حقوقهم الإنسانية والمدنية :"يعلن كل شخص غائب متى كان في تاريخ 19 تشرين الثاني 1947 أو بعد هذا التاريخ مواطنًا في دولة عربية أو من تابعيتها، لأية فترة زمنية في أي جزء من فلسطين خارج المساحة التي تحتلها إسرائيل، أو في أي مكان غير مسكنه الاعتيادي، وأيضًا مكان إقامته الاعتيادي، واقعين داخل الأراضي التي تحتلها إسرائيل. هذه التعريفات تنطبق على سكان المخيمات،  وأيضًا على أولئك المعترف بهم أنَّهم لاجئون ومسجلون لدى الأونروا، وكذلك يشمل أولئك الذين نزحوا، حتى داخل الأراضي التي أصبحت دولة إسرائيل خلال الفترة 1948_1949.
   ويشمل أيضًا أولئك الذين نزحوا سنة 1967 أو في أثرها، وسكان "القرى الحدودية في الضفة الغربية الذين فقدوا أراضيهم الزراعية في عام 1948 وفقدوا بالتالي مصدر رزقهم،  ولكنهم بقوا في قراهم .
   ويشمل أيضًا سكان مخيمات اللاجئين في قطاع غزة.  الذين إما نُقِلوا إلى الجانب المصري من رفح ، وإمَّا وجدوا أنفسهم منفصلين عن عائلاتهم وذويهم نتيجة رسم الحدود عقب توقيع اتفاق كامب ديفيد بين إسرائيل ومصر . وأخيرًا يشمل الفلسطينيين البدو الذين اقتلعوا قسرًا من مناطق رعيهم داخل الأراضي المحتلة، إضافة إلى أولئك الذين أُرغموا على مغادرة الضفة الغربية والانتقال إلى الأردن.

   يعد حق العودة من الحقوق الثابتة للشعب الفلسطيني ولا يجوز التنازل عنه أو يقبل بديلًا عنه، وهي كلمة ترتبط بشعب وتتجسد بالقرار 194 الصادر في 11/12/1948 الذي ضمن حق العودة لللاجئين والحق في التعويض عن الخسائر أو الأضرار والممتلكات وفقًا لمبادئ القانون الدولي أو العدالة من قبل السلطات أو الحكومات المعنية. وأنشأ القرار 194 نفسه لجنة توفيق دولية تبدأ عملها فورًا "من أجل السعي لتحقيق السلام في فلسطين" وتصدر (الجمعية العمومية) تعليماتها إلى لجنة التوفيق بتسهيل إعادة اللاجئين وتوطينهم من جديد وإعادة تأهيلهم الاقتصادي والاجتماعي كذلك دفع التعويضات". وربما كانت الفقرة 11 الهامة من أكثر ما يُستشهد به في مناقشات الأمم المتحدة حتى اليوم وقد أكَّدتها الجمعية العمومية سنة بعد سنة منذ عام 1949. أمّا الطريقة التي تصرفت بها إسرائيل فتتلخص في رفضها سلطة القانون الدولي وإرادة المجتمع الدولي وجعلهما الحكم في المشكلات والنزاعات المتفرعة عن قضية فلسطين وفي طليعتها مشكلة اللاجئين وحقوقهم .
   غير أنّ الكيان الصهيوني بعد أن أمن قبوله عضوًا في الأمم المتحدة، تنكر لتوقيعه والتزامه فرفض اقتراح الوفود العربية بعودة اللاجئين إلى المناطق التي خصصت للعرب بموجب قرار التقسيم وأكثرية سكانها من العرب. وهي الجليل الغربي ومنطقة اللد والرملة وبير السبع ويافا والقدس وخط الشاطئ شمالي غزة. وفي دورة الجمعية العامة الرابعة والعشرين(1969) كُسر الطوق الروتيني، وأصبحت قضية فلسطين قضية شعب يطالب بحقوقه عن طريق الكفاح المسلح لا قضية لاجئين وإغاثة. في 10/12/1969 صوتت الجمعية العمومية على القرار/2535/ ب (الدورة_24)، وهذا هو أول قرار صريح من الأمم المتحدة بأنّ اللاجئين العرب شعب لا مجرد كتلة من اللاجئين، وأنَّ لهذا الشعب حقوقه بموجب ميثاق الأمم المتحدة. وفي العام /1970/ خطت الأمم المتحدة خطوات أبعد و"اعترفت لشعب فلسطين بالتساوي في الحقوق وبحق تقرير المصير وفقًا لميثاق الأمم المتحدة "الصادر بتاريخ 3/11/1970 الذي جعل قضية فلسطين قضية استعمارية، واعتبر نضال شعبها من أجل تقرير المصير نضالًا مشروعًا ضد استعمار أجنبي. "تؤكد الجمعية العامة من جديد أيضًا حق الفلسطينيين الثابت في العودة إلى ديارهم وممتلكاتهم التي شرّدوا عنها واقتلعوا منها، وتطلب إعادتهم "وهذا بعد أن أكدت الجمعية العامة في الفقرة الأولى من القرار"حقوق الشعب الفلسطيني الثابتة في فلسطين" ولا سيما :
۔ الحق في تقرير المصير دون تدخل خارجي .
۔ الحق في الاستقلال والسيادة الوطنيين. فبحث التقرير وناقش التوصيات في حزيران 1976 ووافق عليها الأكثرية غير أنّ مشروع القرار سقط بالنقض الأمريكي .
بدأت هذه اللجنة تقدم في كل عام تقريرًا إلى الجمعية العامة، وفي كل مرة كانت مشاريع القرارات التي تؤيد التوصيات وتقرر تنفيذها تفوز بأكثرية أصوات أعضاء المجلس إلّا أنَّ حقَّ النقض الذي كانت الولايات المتحدة تستخدمه ضد هذه المشاريع كان يؤدي إلى إسقاطها.

  هناك ازدواجية رهيبة ما بين واقع منظمة الأونروا وما تقوم به من خدمات إزاء اللاجئين الفلسطينيين، وبين ما يُعلن عن دورها في الأمم المتحدة .
 فمثلاً في دورة الجمعية العامة (24)عام 1969صرَّحت الأمم المتحدة أنَّه  كُسر الطوق الروتيني، وأصبحت قضية فلسطين قضية شعب يطالب بحقوقه عن طريق الكفاح المسلح لا قضية لاجئين وإغاثة.
 كيف نوفِّق بين هذا القول وبين ما حدث أعقاب انتفاضة الأقصى 2000- 2004 التي تصاعدت فيها وتيرة الأعمال العسكرية بين المقاومة الفلسطينية والجيش الإسرائيلي، مرَّت خلالها مناطق الضفَّة الغربية وقطاع غزة بعدَّة اجتياحات إسرائيلية خلالها جاء حصار الرئيس ياسر عرفات في منزله برام الله الذي استمر ثلاث سنوات، وانتهي بتسميمه ومن ثَمَّ وفاته سنة 2004م. وبوفاة ياسر عرفات قُضيَ تمامًا على المقاومة المسلَّحة، بل أيضًا حُرِّم على الشعب الفلسطيني المقاومة الشعبية وإن كانت مظاهرات سلمية، وإلاَّ يتعرَّضون للاعتقال "والطخ" بأعيرة مطاطيَّة أو نَّارية. كل هذه الأحداث الخطيرة تحدث دون أن نسمع صوت احتجاج على إسرائيل أو تأييد لهذا الشعب المقهور يُطالب بوقف هذه الأعمال الإجرامية التعسفية. فلو كان بالفعل  أصبحت الأغلبية في الأمم المتَّحدة تؤمن أنَّ قضية فلسطين قضية شعب يطالب بحقوقه عن طريق الكفاح المسلح لا قضية لاجئين وإغاثة - وإن اعترضت على ذلك  الولايات المتحدة - لما كان هذا الصمت العالمي الرهيب إزاء هذه الأحداث . هذا ما يجعلني أقول أنَّ ما يدور في أروقة الأمم المتَّحدة عن دور الأونروا في حل قضية فلسطين ما هو إلاَّ حبر على ورق. فالأونروا لا تخرج عن كونها "وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل لاجئي فلسطين في الشرق الأدنى". قد تأسست نتيجة حرب 1948 لمساعدة اللاجئين الفلسطينيين، وإيجاد فرص العمل لهم. وكذلك لتقديم المساعدة والرعاية لحوالي خمسة ملايين لاجئ فلسطيني منتشرين في الأردن ولبنان وسورية والأراضي الفلسطينية المحتلة وقطاع غزة.  وتشمل خدمات الوكالة التعليم والرعاية الصحية والإغاثة والبنية التحتية وتحسين المخيمات والدعم المجتمعي والقروض الصغيرة. ما تقدِّمه الأونروا من خدمات لللاجئين الفلسطينيين يفتقر إلى الحد الأدنى المطلوب للحفاظ على كرامة البشر وذلك وفق ما تحصل عليه الوكالة من الدعم المادي عبر التبرعات الطوعية للدول الأعضاء في الأمم المتحدة.
 كل هذا ويأتينا ترمب مانًّا على الشعب الفلسطيني بمساعدات أمريكا للأونروا التي قام بتقليصها، ثُمّ إلغائها. نَسِيَ ترمب أو تناسى أنَّ أوَّل من وطأ أرض فلسطين هم قبيلة كنعان القادمة من الجزيرة العربية منذ خمسة آلاف سنة!
  نسي أو تناسى كل ما ذُكر عن المؤامرة الحقيرة التي تعرّض لها الشعب الفلسطيني وكيف تعاونت القوى العالمية آنذاك مع زعماء اليهود في إيجاد دولة يهودية على أنقاض دولة فلسطين العربية. أقول له لا "تمنُّ علينا يا ترمب بمعوناتك للأونروا "بشويَّة" ملاليم والتي لا تساوي شيئًا أمام شبر واحد من أرضنا الغالية في فلسطين. وفِّر معوناتك كاملة وأرجع لنا أرض فلسطين. فهي ليست للبيع.
كيف رد الإتحاد الأوربي على قرار ترمب بشأن الـ"الأونروا؟
  هكذا كان رد الإتحاد الأوربي على قرار ترمب بشأن الـ"الأونروا" ، بتجديد دعمه لها ، ودعوة الولايات المتحدة لإعادة النظر في "قرارها المؤسف" بوقف تمويل الأونروا، مشددًا على أهمية مواصلة الدعم الدولي للأونروا التي تدير مدارس تضم مئات آلاف الأطفال الفلسطينيين في الأراضي الفلسطينية المحتلة والأردن ولبنان وسوريا. وقال متحدث باسمها إنّ هذا القرار يخلّف فجوة كبيرة"، وأضاف، "إنّ الاتحاد الأوروبي سيواصل العمل على كيفية ضمان مساعدات مستديمة ومتواصلة وفعالة "للأونروا"، كما أشار إلى أنّ الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه مجتمعة، يعتبر أكبر المساهمين في ميزانيتها، ونحن فخورون بدعمها في توفير الخدمات الأساسية للاجئين الفلسطينيين. وأوضح أنّ التعليم هو جزء أساسي من تطور الدولة الفلسطينية، وكذلك المستشفيات وغيرها من الخدمات الأساسية التي تسهم فيها الأونروا بشكل أساسي.  "ولهذا السبب سيواصل الاتحاد الأوروبي تقديم مساعداته للأونروا. وأشار البيان إلى أنّ الأونروا  قامت مؤخرًا بتوسيع قاعدة الجهات المانحة واتخذت تدابير إدارية داخلية لزيادة الكفاءة وخفض التكاليف. وعلى الاتحاد الأوروبي مواصلة مناقشة هذه الأمور مع الأونروا لضمان استمرارية عمل الوكالة، وأضاف "لقد تعهد الاتحاد الأوروبي والدول الأعضاء فيه وغيرها من الدول العربية، بدعم استمرارية عمل الأونروا. وهناك مساعي من قبل وزراء خارجية الاتحاد لفحص كيفية ضمان تقديم مساعدة مستدامة ومستمرة وفعالة للفلسطينيين، عبر الأونروا.
حقيقةً هذا أقل القليل من أجل الشعب الفلسطيني (الكنعاني) الذي ينفرد بالحق الشرعي في الأرض الفلسطينية بحكم أنَّه :
١- أول من سكن أرض فلسطين قادم من الجزيرة العربية منذ أكثر من 5000 سنة.
٢- حين أمر سيدنا موسى عليه السلام  اليهود بدخول الأرض المقدسة "فلسطين" -وهذا يعني أنَّ لا وجود لليهود في فلسطين قبل ذلك-  رفضوا مخافة من الفلسطينيين "الكنعانيين" ووصفوهم بالجبارين . ( قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا مِنْهَا)[25]
كما قالوا (قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا ۖ فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ.)
٣- بناءً عليه حُرِّمَت عليهم أرض فلسطين:
"فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةً عَلَيْهِمْ" وعُوقِبوا بفرض التيه عليهم: (قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ ۛ [26]أَرْبَعِينَ سَنَةً ۛ يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ )[27]، وهذا مطابقًا لما جاء في النسخة غير المحرّفة من التوراة، باعتراف حاخامات جماعة ناطوري كارتا اليهودية.
كل هذه المعطيات يجهلها أو يتجاهلها ترمب ويريد بمحابته للأونروا أن يُركِّع الفلسطينيين ويكسر شموخهم، ويعمل على إرضاخهم لقبول صفقته، وكأنه الآمر النّاهي الوحيد في هذا الكون، ينزع الحق ممَّن يشاء ، ويمنحه لمن يشاء، مُتحدّيًا لجميع القوانين الدوليَّة، وكأنَّه فوق جميع الشرائع والقوانين!
كيف يمكن لترامب أن يعصف بمؤسسة نشأت بقرار من الأمم المتّحدة وتحظى بالشرعية الدولية وبالدعم والتمويل الدوليين ؟ ومن قبل قراره بنزع القدس من الفلسطينين ليمنحها لليهود؟
ولِنَتَذَكّر دائمًا قوله تعالى:(وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِين)[28]
مؤكد عدل الله قادم وسنرى.
ترمب ...والهُوية الفلسطينية
    ما يريده ترمب من تصفية الأونروا، هو تصفية القضيّة الفلسطينيّة . فوجود الأونروا يخلّد قضية اللاجئ الفلسطيني الذي يعتبر الشاهد الأكيد على معاناة الشّعب الفلسطيني. فهو ينظر إلى الأونروا أنّها منظمة سياسيّة لإعادة تأهيل اللاجئين، وبالتّالي ستكون عقبة أمام عملية السّلام .
ولكي يتخلّص من هذه المشكلة، فهو يعمد لتهويد النّاشئة الفلسطينيين :
١- بغلق مدارس الأونروا التي ترسّخ انتماءاتهم الوطنيّة والدينيّة والقوميّة وتراثهم الثّقافي، وتعزّز في نفوسهم العزّة والكرامة والشُّموخ والاعتزاز بشخصيّتهم العربيّة الفلسطينيّة وبحضاراتهم العربية العريقة التي كانت أساس الحضارة الحديثة .
٢- بضم طلبة مدارس الأونروا إلى المدارس اليهوديّة، لتهويدهم . ليس فقط بمجرد الاكتفاء بفرض صورة قاتمة عن العرب في أذهان أبنائهم وإنّما تجاوز إلى أنّ المناهج الصهيونيّة تنتقي بشكل حثيث كل فقرة أو لفظة لتهويد فكر النّاشئة الفلسطينيين بسلخهم عن تراثهم وتفقدهم روح الانتماء الوطني والقومي والديني وتعزّز تجسيد الفرقة والطائفيّة بين العرب والمسلمين.
كيف يمكن لترامب أن يعيد صياغة العقليّة الفلسطينيّة بما يتّفق مع ما جاء في المناهج اليهوديّة التي انتقدها الباحث الاسرائيلي د/ايلي فودا بعمل دراسة تحليليّة لستين كتابًا مدرسيًّا عبريًّا عبر أربعين عامًا ؟
  تنبع أهميّة هذه الدّراسة أنّها صادرة من الجامعة العبريّة في القدس المحتلّة، وتقول الدّراسة، إنّ كتب التّدريس المعتمدة  تلصق أوصاف غشاش ومتخلّف ولص بالشّخصية العربيّة . وقد تمحورت هذه المناهج فقط حول تاريخ أرض إسرائيل والشّعب اليهودي والصّراع العربي اليهودي . وقد وُضعت على يد مؤلفين صهاينة حاقدين على كل من هو مسلم وعربي أو لايفهمون شيئًا عن العرب والمسلمين ..لذلك تضمّنت كتب التّاريخ حقائق مشوّهة ومزوّرة ، وتذكر الدِّراسة قصّة الاستيطان الإسرائيليّة فتقول في كتاب رحلة مع المستوطنات الأولى للصّفوف الدنيا جاء الوصف التّالي عن اللقاء الأول مع العرب الفلسطينيين في قرية عربيّة مجاورة كان النّاس نحيفين وجوههم صفراء والذّباب يتنزّه عليها دون أن يحاولوا طرده.. وكثير منهم كانوا عميانًا يمشون وهم يمسكون بأيدي بعضهم البعض يتحسّسون طريقهم بالظلمة، أمّا الأولاد فساروا حفاةً وعيونهم مريضةً وبطونهم منفوخة وآثار لسعات الحشرات بادية على أجسادهم ،كل هذا من أجل تثبيت مقولة: «فلسطين أرض بلا شعب».
كيف ممكن للاجئ فلسطيني أن يقتنع بما جاء في هذه المناهج وهو يعيش معاناة اللاجئ بكل أبعادها الحقيقيّة بينما هو في ظل رعاية الأونروا التي لم تستطع بإمكانياتها الفقيرة أن تهيّئ له الحد الأدنى من سبل العيش الكريم : بطالة فائقة وتكدُّس بشري رهيب ضمن مساكن تعيسة متلاصقة، تخترقها الأمطار وتطفح فيها المجاري على ساكنيها وربما أثناء تناولهم للطّعام . لا يتمتّعون بالحد الأدنى من حياة خاصّة ، حتى لو تهامس الرجل مع زوجته، بل لا تتوفر لديهم مياه شرب نظيفة ؟
كيف ممكن لترامب أن يعيد صياغة العقليّة الفلسطينيّة بما يتفق مع هواه، وهو يتخطّى الإرادة الإلٰهية من أجل تحقيق إسرائيل الكبرى؟
 ويمنح لإسرائيل القدس التي حرّمها الله عليهم بموجب القرآن والتوراة غير المحرّفة ؟ بل وأيضًا يتخطّى الحقائق التاريخيّة والقوانين الدوليّة والأمميّة والكشوفات الأثريّة؟
   كشفت مؤخرًا شركة أخبار عبريّة أنّ هناك تنسيق بين الإدارة الأمريكيّة وإدارة الاحتلال يهدف إلى سلب وكالة الغوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين وإنهاء عملها وجميع صلاحيّاتها وإغلاق جميع مؤسّساتها في القدس المحتلّة بما في ذلك المدارس والعيادات ومراكز الخدمات المعنيّة بالأطفال، بالإضافة إلى سحب تعريف شوفاط كمخيّم لللاجئين ومصادرة الأراضي المقام عليها ، كما أعلنت القناة أنّ المحرّك الرئيس لهذا المخطّط استند إلى الخطوات التي اتّخذها الرئيس الأمريكي بحق المدينة المحتلّة مؤخرًا، الأمر الذي شجّع رئيس بلديّة الاحتلال إلى المُضِيِّ قُدمًا في مخطّطه الرّامي إلى نقل الخدمات المقدّمة من الأونروا إلى ما وصفته بالسّيادة، بحجّة أنّ نهج الأونروا تّجاه السُّكان كلاجئين  يمنع نموّهم.
ويرى رئيس بلديّة الاحتلال أنّه يجب النّظر إليهم كسكّان بحاجة إلى إعادة تأهيل، كما يرى أنّ السلطة الفلسطينيّة تُخلّد مشكلة اللاجئين ويقول نحن لسنا بحاجة إلى لاجئين فلسطينيين.
 السّلامة تقتضي إلى تحويلهم إلى سكّان وليس لاجئين .
هكذا تريد أمريكا وإسرائيل شطب كلمة لاجئ فلسطيني من القاموس العربي، حتى لا يترتّب على ذلك حقوق يطالبون بها، مع استمرار كل المعاناة التي يعيشها اللاجئ.
                                            ******
الفصل الرابع: العرب في مناهج التعليم في إسرائيل


قامت الدولة الصهيونية على مرتكزات تاريخيَّة ودينيَّة خاطئة. فعلى الرغم من الحقائق التاريخيِّة المؤكَّدة والتي تُثبتْ:
1.    أنَّ أوَّل من وطأ أرض فلسطين هم الكنعانيون( الفلسطينيون) القادمون من الجزيرة العربية منذ أكثر من خمسة آلاف سنة، وأنَّ أرض فلسطين تُعرف بأرض كنعان.
2.    أنَّ كتابهم المقدَّس في نسخته الأصليَّة حرَّم عليهم إقامة دولة بشكل مطلق، وعلى هذا المبدأ تقوم حركة ناطوري كارتا، وهي جماعة من حاخامات اليهود يؤمنون بما ورد في التوراة غير المحرَّفة .
3.    حرَّم الله على بني إسرائيل أن يطئوا أرض القدس بعدما أعلنوا عصيانهم لنبيهم موسى حين أمرهم أن يدخلوا القدس، كما جاء في الآية(22) من المائدة) :قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا حَتَّىٰ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ)وفي آية 24 من سورة المائدة: (قَالُوا يَا مُوسَىٰ إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُوا فِيهَا ۖ فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُون)
4.    أثبتت الدراسات التاريخيَّة أنَّ اليهود لم يستطيعوا إقامة دولة لهم، سوى مملكة داوود وسامراء سنة 1011 قبل الميلاد، وكان مساحتها 15 فدّانًا ، وعدد سكانها 2000 شخصًا فقط، ولم تمتد لأكثر من ذلك.
5.    أثبتت الحفائر الأثريَّة ألاَّ وجود لليهود في القدس، وهذا ما أكَّده عالم الآثار الإسرائيلي فلنكشتاين، أستاذ علم الآثار بجامعة تل أبيب والذي عُرف بأبي الآثار. بالرغم من كل هذه الحقائق السابقة، نجد أنّ مرتكزات اليهود الدينيَّة والتاريخيَّة المزيَّفة والتي تقوم عليها السياسة التربويَّة الإسرائيليَّة تدعو إلى ربط الإنسان اليهودي بأرض فلسطين باعتبارها أرض الشعب المختار، وهو ما تسبب بإخراج جيل متعصب ومتشبث بالأرض يشعر بالفوقية على باقي الشعوب. نستطيع أن نستخلص هذا من خلال دراسات علمية رصينة قُدِّمت على مدى سنوات طويلة بغرض بحث التوجيه التربوي الصهيوني ومناهج التعليم بشكل عام في إسرائيل منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى قيام الدولة اليهودية على أرض فلسطين.
مراحل التعليم اليهودي
تجمع هذه الدراسات حول صورة العرب في مناهج التعليم الإسرائيلية على أنّ ثمة مراحل ثلاث للتعليم اليهودي:
  أولاها : بدأت من 1881 – 1918، ويستند التعليم في هذه المرحلة بشكل مباشر على الأمور الدينية معتمدًا على التناسخ والتلمود. وقد ظهر في هذه المرحلة العديد من الفلاسفة اليهود الذين طرحوا العديد من الآراء الفلسفية حول ماهية الدولة ونظم الحياة فيها، وكيف يجب على اليهود أن يؤسسوا دولة يهودية، ومن أشهرهم مؤسس الصهيونية ثيودور هرتزل.
ثانيها: هي تلك التي بدأت من عام 1948 حتى قيام الدولة الصهيونية، حيث صدر قانون التعليم العام في إسرائيل عام 1949، وفي عام 1953 صدر قانون إلزامية التعليم، وحاولت الدولة المصطنعة بناء مؤسسات تعليمية تقوم على أساس المبادئ الصهيونية لخلق مجتمع يهودي يدين بالولاء للصهيونية العلمانية، ويرتبط بشكل كبير بالأرض .
  ثالثها :  بدأت عندما تم توقيع اتفاقية كامب ديفيد بين مصر وإسرائيل عام 1979، ومن ثَم اتفاقية وادي عربة بين الأردن وإسرائيل، ويلاحظ أنّ المفاهيم الأساسية في العملية التربوية الصهيونية لم تتغير أبدًا، فوصف العرب بأنَّهم متخلِّفون وجبناء ومحتلُّون لأرض إسرائيل ما زال هو الوصف السائد مع التأكيد المستمر على أنّ الأردن هو جزء من أرض إسرائيل. وبقي وصف القادة العرب والمسلمين على ما هو دون تبديل.
أسس التعليم الصهيوني
   والملفت أنَّ قانون التعليم الإسرائيلي وُضع على أساس قيم الثقافة اليهودية، وتحصيل العلوم ومحبة الوطن والولاء لدولة إسرائيل والشعب اليهودي والتدرب على العمل الزراعي والحرفي وتحقيق مبادئ الريادة. ويلاحظ القارئ لكتب الأديان الإسرائيلية أنَّ اليهودي ينظر إلى الأغيار وخاصة العرب نظرة استعلائية نحو جنس بشري بدائي متخلف حضاريًّا؛ لذا لا بد من تسخيره لتحقيق الرُّقي والتَّقَدم له؛ لذا فقد حمل الأدب العبري في طياته الكثير من التَّحريض على الاحتلال والاستيطان والتَّرحيل للعرب، وانتقل الأدب العبري من أدب التَّجنيد والتحريض في ظل الانتداب ونشوء المنظمات الصهيونية وأدب الكارثة والبطولة في أعقاب الحرب العالمية الثانية إلى أدب الحروب منذ عام 1948، وحرب الأيام الستة، وحرب الغفران 1973، أما أدب الثمانينيات الاسرائيلي فقد عبّر عن ردود الفعل الإسرائيلية على الحروب التي شنَّتها إسرائيل على لبنان عام 1982. وقد خضعت نظرة الأدب العبري للشخصية العربية لحالات زمنية ترتبط بزعيم، أو بواقعة عسكرية أو موقف عدائي عنصري يتصف بالعرقية. كما لم تتغير صورة الإنسان العربي في أدبيات الأطفال اليهود منذ تأسيس الدولة، فالنظرة تجاه الإنسان العربي بقيت عدائية حتى بعد توقيع اتفاقيات السلام مع مصر والأردن، ولم تحل محلها أية نظرة احترام أو محبة، وتدعو هذه الكتب إلى إعادة العرب إلى الصحراء وإحلال اليهود مكانهم؛ لأنّ هذه أراضي اليهود، وتصور العربي بأنّه شجرة بلا جذور يمكن اقتلاعها في أي وقت ومتى تشاء. وبعد اتفاقيات السلام العربية - الإسرائيلية أخذت تظهر كتب عديدة تدخل تحت إطار التثقيف التربوي والتاريخي للصهيوني، ومنها الكتب المتعلقة بالآثار والتوثيق والقارئ لهذه الكتب، يلاحظ أنّه لا توجد بقعة في هذه المنطقة العربية، إلّا وكان لليهود فيها أثر، وأنّ كل الحضارات التي مرت على هذه المنطقة كان لليهود دور فاعل فيها.
كذلك نجد الكتب المقررة في المدارس اليهودية العامة تكرّس هذه التوجهات من قبيل مجموعة الأرض الطيبة التي صدرت عن وزارة المعارف الاسرائيلية عام 1986 وهي مخصصة للمدارس اليهودية الدينية وفيها مختارات من التوجيهات الدينية والشعر والقصة اليهودية، وقد ورد عنوان في هذه السلسلة تحت اسم "لمن تخص وتنتمي أرض إسرائيل" والتي يؤكد فيها المؤلف على أن أرض إسرائيل هي لليهود، ولكن جاءت شعوب أخرى كالإسماعيلية(العرب) واحتلوها لفترة طويلة كانت فيها هذه المنطقة خرابًا ودمارًا، وكان العرب فيها قليلون جدًّا.
أمَّا كتاب "الجولان والجليل" بأقسامه، وكتاب" الكرمل وشمال البلاد" فيعتبر المؤلف الجولان جزءًا من أرض إسرائيل، ويبحث في مناطق وطرق الجولان وقطاع غزة، ويورد نماذج صور للقرى العربية في منطقة القدس إلى جانبها نماذج للمباني اليهودية من أجل الإيحاء للقارئ مدى التطور الذي حصل بسبب قدوم اليهود. وتحاول الكتب اليهودية التربوية دمج التاريخ بالجغرافيا من أجل ترسيخ المفاهيم الصهيونية.  ومن الكتب الأخرى التي وضعت للطلاب اليهود من أجل دراستها وترسيخ مفاهيم معينة لديهم كتاب "تحولات جغرافية الشرق الأوسط "لمؤلفه البروفيسور أرنون سوفير، ويلاحظ أنّ هذا الكتاب يتحدث عن الشرق العربي دون أن يأتي مطلقًا على ذكر العرب في المنطقة التي سكنوها إلّا من خلال التقليل من شأن العرب ووصفهم بالمتغلغلين في مجالات الحياة، وهو يعمد إلى التنكر للوجود العربي حتى إنّ الخليج العربي يطلق عليه اسم الخليج الفارسي. ويصف الدول العربية المجاورة لفلسطين بالمتخلفة. أمّا عن التطورات التي تحصل في الخليج العربي فيرى أنّها خطيرة، حيث يرى أنَّ امتداد الطرق والتطور العلمي وواردات النفط الكبيرة يمكن أن تهيئ لقيام دولة قوية في الخليج، مع وجود أصولية إسلامية هناك، ويرى أنّ شرق الأردن هو جزء من أرض إسرائيل وفيها أماكن خاصة باليهود مثل نبو وجلعاد. ولم يسلم بلد عربي من النقد والوصف بالتراجع والتخلف.

 أخطر ما في أدبيات الإسرائيليين ليس مجرد الاكتفاء بفرض صورة قاتمة عن العرب في أذهان أبنائهم وإنّما تجاوز ذلك إلى محاولة تهويد فكر الناشئة العرب في فلسطين المحتلة عام 48 .
والناظر إلى ما ينتقى ويختار من المواد الأدبية التي تفرض على الطلاب العرب يلاحظ أنّ الصهيونية تنتقي بشكل حثيث كل فقرة أو لفظة لتهويد فكر الناشئة العرب بهدف سلخهم ما أمكن عن تراثهم ونتاج الأمة الفكري، ويلاحظ أنّ ما يُنتقى من الأدب العربي يفتقد إلى روح الانتماء الوطني والقومي والديني فهي عبارة عن مختارات من قصائد تجسد الفرقة والطائفية بين العرب والمسلمين، وتدعو إلى السلم تارة أو إلى استحباب الحرب تارة أخرى، ومن أمثلة ذلك سلسلة كتب "تاريخ الأدب العربي" لمؤلفه اليهودي مراد ميخائيل.
   عندما يتحدث الكتاب اليهود عن المجتمع العربي تحت حكم الدولة العبرية، فإنّهم يعمدون إلى تزوير العديد من الحقائق، كما يعتبرون الضفة والقطاع أراضي إسرائيلية تم احتلالها من قبل العرب، ويضيفون إلى ذلك تحميل المواطنين العرب مسؤولية الهرب من هذه الأراضي عام 1948، وكان هذا الهروب بمحض إرادة العرب، وقد أدى هذا الأمر إلى تدني مستوى الفلسطينيين في نظر العرب الآخرين. هذه هي النتائج التي خرجت بها الدراسة العلمية التي أعدها وأصدرها مركز دراسات الشرق الأوسط؛ فاليهود هم شعب الله المختار حتى إذا كان هذا على حساب التاريخ وتزويره، بل وتأصيله ليس فقط في نفوس الطلاب اليهود، بل وفي نفوس العرب أيضًا!

 هناك العديد من الأبحاث في هذا الموضوع منها ما نُشر في 13 سبتمبر 2010 - قبيل وبعيد قمة واشنطن التي أطلقت فيها المفاوضات المباشرة، تعالت الدعوات الجديدة القديمة داخل إسرائيل المطالبة بوقف كل أشكال التَّحريض ضدَّها في المؤسسات التَّعليمية والدينية الفلسطينية. وطالب وزير التَّعليم الإسرائيلي جدعون ساعر ووزير الدولة يوسي بيليد بغربلة مناهج التَّدريس الفلسطينية و"تنقيتها" من كل إشارة سلبية تجاه إسرائيل . وتقول صحيفة "الشرق الأوسط" التي تصدر في لندن أنَّ دعوات المسؤولين الإسرائيليين هذه جاءت في الوقت الذي صدرت فيه دراسة إسرائيليَّة تؤكِّد نتائجها أنَّ كتب التَّعليم الإسرائيليَّة حالت دون تحقيق السَّلام مع العرب. وحسب الدِّراسة التي أعدَّها الباحث الإسرائيلي إيلي بوديا المحاضر في جامعة حيفا فإنّ كتب التَّدريس الإسرائيليَّة أشعلت طيلة نصف القرن الماضي جذوة الصِّراع الإسرائيلي العربي، وكرَّست حالة الحرب وحالت دون التَّوصُّل للسَّلام ووصف "بوديا" مناهج التَّدريس اليهوديَّة بـ"المنحرفة، وزرع كراهيَّة الفلسطينيين في نفوس التَّلاميذ الإسرائيليين إلى حد الاستنتاج بأنّ ما يجري داخل جدران المدارس يؤثِّر إلى مدى بعيد في قرار الحرب والسَّلام لدى قادة إسرائيل. وأشار البحث الذي جاء تحت اسم "الصراع الإسرائيلي في كتب التاريخ المدرسيَّة العبريَّة"، إلى أنَّ الكتب المدرسيّة قادت بطريق غير مباشر إلى إثارة الصراع المسلَّح. وأكَّد بوديا أنَّ كتب التَّاريخ الإسرائيليَّة التي أخضعها للبحث انشغلت بتعميق القيم الصهيونيَّة ورعاية الأساطير والتَّمجيد بأبطالها. ولفت الباحث إلى أن َّتلك الكتب وصفت الصِّراع بطريقة مشبَّعة بعدم الدقة إلى حد التشويه وشيطنة العرب وتجريدهم من إنسانيتهم، مما أدَّى إلى ترسيخ صورة نمطيَّة لدى الإسرائيليين الذين ظهروا دائمًا بصورة الغربيين المتحضرين صانعي السَّلام مقابل صورة العرب "الخونة العدوانيين المتخلِّفين والمجرمين والخاطفين القذرين والمبادرين دوما نحو التدمير".  وأشار الكاتب إلى أنّ تعابير مثل مُتوحِّش ومُحتال ومُخادع ولص وسارق وإرهابي، كانت كثيرًا ما تُستخدم في وصف العربي. مشيرًا إلى أنَّ العرب يوصفون بأنَّهم النُّسخة الحديثة من "العماليق"، ألد أعداء الإسرائيليين في التوراة. ويؤكِّد الباحث أنَّ كتب التدريس الإسرائيليَّة تحاول أن تكرِّس قناعة مفادها أنَّ السلام مع العرب، "يهدد إسرائيل المهزوزة ويستلزم تحصين النَّاشئة بتقوية الوعي الصهيوني".. ويوضِّح أنَّه عندما حاول وزير التَّعليم الأسبق إسحاق نافون إحداث تقارب بين التَّلاميذ العرب واليهود، لم يشارك في هذه الأنشطة إلّا 2% من المربين اليهود. يقول الناقد أنطوان شلحت، الذي كتب مقدمة البحث:" إنَّ سنوات ما بعد 2000، شهدت صعودًا يمينيًا متطرفًا إلى رأس هرم جهاز التعليم في إسرائيل، بعد تسلُّم ليمور لفنات من حزب الليكود حقيبة التَّعليم. وتعتبر فترة لفنات الأخطر على التَّعليم الإسرائيلي، باعتبارها "قاب قوسين أو أدنى من الفاشية التامة". لأنَّ لفنات أسقطت كل ما ليس مستمدًا من الرِّواية الصهيونية التاريخيَّة، أنَّ فلسطين كانت خالية من العرب باستثناء القليل الذين فرُّوا عام 1948.
   إنّ   إسرائيل هي الدولة الوحيدة العنصرية التي من حقِّها ممارسة العنف والتَّشجيع عليه بشكل علني، ومن حقها أن تضع مناهج تنضح بالعنصرية وتُشجِّع على الإرهاب دون أن يتَّهمها أحد بذلك. هذه الأقوال ليست ادعاءات عربية ضد إسرائيل ، إنَّما هي خلاصة ما يمكن أن تنتهي إليها دراسة جديدة مميزة للباحث الإسرائيلي د/ايلي فودا تنبع أهميتها أنَّها صادرة من الجامعة العبرية في القدس المحتلة، وتقول الدراسة: إنَّ كتب التدريس المعتمدة في المدارس اليهودية لعبت دورًا مركزيًا في تصعيد الصراع العربي  الإسرائيلي في الماضي ولازالت تشكِّل عاملًا يحول دون التراضي والسلام بين الشعبين، بل هي نوع من الكراهية والعنف في نفوس الإسرائيليين من خلال هذه المناهج التي طبّعت الإسرائيليين على ذلك. الدراسة تتضمَّن تحليلًا دقيقًا موثَّقًا للكتب التعليمية الإسرائيلية على مدى أربعين عامًا وتشمل ستين كتابًا وتُضيف الدراسة أنَّ كتب التعليم الإسرائيليَّة قادت إلى تكوين فكرة مسبقة لصورة العربي في ظل حالة الاغتراب وتطوُّر الصراع بين الشعبين وأوصاف "غشاش "و"متخلف" و" لص" هي جزء من صفات الصقت بالشخصيِة العربية في هذه المناهج . ومناهج التدريس الإسرائيلية تمحورت فقط حول تاريخ أرض إسرائيل والشعب اليهودي والصراع العربي اليهودي. وقد وُضعت هذه المناهج على يد مؤلفين إمَّا أنّهم امتداد للصهاينة الحاقدين الكارهين لكل ما هو مسلم وكل ما هو عربي، وإمَّا أنَّهم لا يفهمون شيئَا عن العرب والمسلمين. لذلك تضمَّنت كتب التاريخ معلومات مشوَّهة ومزوَّرة في أكثر الأحيان، وتذكر الدِّراسة قصَّة الاستيطان الإسرائيلية فتقول في كتاب رحلة مع المستوطنات الأولى للصفوف الدنيا جاء الوصف التالي عن اللقاء الأول مع العرب الفلسطينيين في قرية عربية مجاورة كان النَّاس نحيفين وجوههم صفراء والذباب يتنزه عليها دون أن يحاولوا طرده.. وكثير منهم كانوا عميانًا يمشون وهم يمسكون بأيدي بعضهم البعض يتحسسون طريقهم بالظلمة، أمّا الأولاد فساروا حفاة وعيونهم مريضة وبطونهم منفوخة وآثار لسعات الحشرات بادية على أجسادهم وتتكرر الأوصاف التي تؤدى لنشوء الأفكار المسبقة عن العرب في عشرات الكتب، ويقول مؤلف الدراسة إنَّها جاءت من أجل تثبيت مقولة: «فلسطين أرض بلا شعب لشعب بلا وطن» .بينما تُظهر الدراسة كيف أنَّ العربي ظهر في هذه الكتب طوال فترة الصراع حتى عام 1948م على أنَّه إنسان ظالم ومعتدٍ، وأنَّ اليهود ظلوا ضحية ذلك.
سؤال غائب في هذه الدراسة لم يتطرق إليها الباحث الإسرائيلي د/ايلي فواد وهو لماذا لم يغير الكيان الصهيوني مناهجه التعليمية الباعثة على الشذوذ والتطرف والعنف والحرب والارهاب والعنصرية على الرغم من مرور سنوات طويلة من السلام مع مصر اتفاقية كامب ديفيد وسنوات الاتفاق الهش مع الفلسطينيين ومعاهدة أخرى مع الأردن بل وصل الأمر في البعض منها إلى تبادل السفراء؟

عمدت المخابرات الإسرائيليَّة والأمريكيَّة للوصول إلى عقول أبنائنا عن طريق متابعتهم على السُّوشيال ميديا، تتعرَّف أولاً على شخصيَّاتهم ، ميولهم وطريقة تفكيرهم للسيطرة على عقولهم . فإن وجدته ممَّن يميلون إلى التفكير العلمي، وانتماءاته الدينيَّة ضعيفة، أعدَّت له برنامجًا خاصًّا يوصله إلى الإلحاد، ومن تجد إنتماءه الديني قويًّا، أعدَّت له برنامجًا خاصًّا يوصله إلى التَّطرُّف الشديد والإرهاب كداعش ومن على شاكلتها ، وذلك عن طريق مُخطَّط أسمته 360 درجة . وتقصد به إعادة برمجة تفكير عقول أبنائنا بمقدار 360  درجة في كل ما سبق أن تلقُّوه من علوم التاريخ والجغرافيا والعلوم الدينيَّة ...وكل ما لديهم من قناعات سابقة وذلك عن طريق دورات تُقيمها لتلتقي بالمُتميِّزين منهم لتجنيدهم لنشر الإلحاد أو التطرُّف والإرهاب . ويكون هناك اتصال مباشر ومستمر معهم عن طريق السُّوشيال ميديا لتزويدهم بكل ما يمكِّن لإسرائيل السيطرة على عقول أبنائنا . من المؤكَّد أنَّ الإلحاد قديم وليس جديدًا، فَلِمَ لجأت المخابرات الإسرائيليَّة والأمريكيَّة لتنفيذ هذا المُخطَّط في هذه الفترة الزمنيَّة بالذَّات؟ حين تكوَّنت الدولة اليهوديَّة على أنقاض الدولة الفلسطينيَّة، لم يكن الهدف الاكتفاء بهذا،  وإنَّما كانت تسعى أن تمتد هذه الدولة لتشمل ما بين النيل إلى الفرات ومن الأرز للنخيل . طيلة السنين الماضية أخذت تُحيك المؤامرات وتسعى جاهدة في تهيئة الظروف المناسبة للانقضاض على فريستها لتلتهمها . أدركتْ إسرائيل الآن مدى الضعف الذي تُعاني منه البلاد العربيَّة، فأرادت أن تستغل الفرصة لتحقيق حلمها الكبير، وهو السيطرة على كافَّة البلاد العربيَّة وتكوين ما أسمته بالشرق الأوسط الكبير ، فأرادتْ السيطرة على تفكير أبنائنا بقصد القضاء على انتماءاتهم نحو أوطانهم ودينهم وعقيدتهم، بل وأيضًا  نحو أسرهم، وأصبح عامَّة الملحدين من شبابنا العربي ينظر إلى إسرائيل كصديق لا كعدوّ. ثمَّ جاءتْ إسرائيل وأمريكا بما أسموه بالربيع العربي، الذي أوصلنا إلى ما نحن عليه الآن: حروب وسفك دماء في كل من العراق وسوريا وليبيا وأعمال إرهابيَّة في مصر تستهدف الجيش المصري. وأخذت تدعِّم إيران في العبث في اليمن والعراق وسوريا ولبنان . كل هذه الحروب والقاتل والمقتول من أبنائنا . لا تستطيع إسرائيل مواجهة الشعوب العربيَّة، فأرادتْ أن تكسب الحرب، بأن يكون القاتل والمقتول من العرب، فتأتي بعد ذلك وتقطف ثمرة النَّصر بعدما يحل الخراب والدمار في سائر أرجاء البلاد العربية، فتأتي هي وتعيد صياغة المنطقة من جديد وفق هواها فتكون هي السيِّد الآمر النَّاهي ونحن العبيد المطيعين لها والمُنفِّذين لأوامرها! ما يُطمئنني أنّها أعدَّت كتابًا على نسق القرآن وأسمته الفرقان الحق، عازمة على فرضه علينا بدلاً من القرآن الكريم .كيف يتحقَّق حلم إسرائيل وقد ذكر الله في كتابه العزيز : (يُرِيدُونَ أَن يُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللَّهُ إِلَّا أَن يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ. هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَىٰ وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ)[29]
ماذا تعلَّمتُ من دراستي للتاريخ؟
حين درست التاريخ شغفتُ بالسيرة النَّبويَّة وسير الخلفاء الراشدين، التي جسَّدتْ أمامي أسمى القيم والمبادئ والخلق العظيم، أيضًا عمَّقتْ إيماني بالله والثِّقة اللامتناهية به وبديني. ملأني الإحساس بالعزة والفخر والشموخ بقدرات المقاتل المسلم التي قد تصل كفاءته القتاليَّة عشرة أضعاف غيره(إِن يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) [30]وأيضًا عظمة عبقرية قادة الجيوش الإسلامية، أمثال خالد بن الوليد الذي وضع خططًا عبقريَّةً لتلك المواقع، تنمُّ عن مهارات قتاليَّة فائقة، فاستطاعوا أن يُحقِّقوا النَّصر على أكبر دولتين آنذاك  بالرغم من قلَّة عدد المقاتلين المسلمين وقلَّة عتادهم . تعلَّمْتُ أيضًا ممَّا حدث بين سيدنا محمد صلى الله عليه وسلَّم وبين اليهود، أنَّ اليهود لا عهد لهم ولا ميثاق وأنَّ الغدر طبعهم، فعلى الرغم من توقيعهم على وثيقة المدينة، نجدهم حاولوا قتله مرارًا، بل أيضًا ألَّبوا عليه القبائل ووعدوهم بمساعدتهم في دخول المدينة فكانت موقعة الأحزاب، مثل هذا الفعل نُسمِّيه الآن بالخيانة العظمى. وقد تكرَّر غدر اليهود بالمسلمين فترة خلافة عثمان بن عفان وما قام به عبد الله بن سبأ اليهودي الأصل والذي ادَّعى دخوله للإسلام لتنفيذ مؤامرة الفتنة التي انتهت بمقتل عثمان بن عفان رضي الله عنه. وأيضًا تكرَّر غدر عبد الله بن سبأ فترة الخلاف بين على بن أبي طالب ومعاوية بن أبي سفيان، فكانت موقعة الجمل بعدما كاد أن يتم الصلح بينهما. أحداث تاريخية مضت وانتهت، إنَّما تبعاتها لا تزال قائمة حتى الآن بين المسلمين وبشكل قوي. ولا تزال هذه الأحداث مفتاحًا لفهم وتحليل كثيرًا ممَّا يحدث في أيامنا هذه. أيضًا تعلَّمتُ من دراستي للتاريخ أنَّ الدولة الإسلاميَّة لم تقم على الحروب، إنَّما كان هذا من قبيل الدفاع عن النَّفس، تخيَّل دولة إسلامية قائمة في المدينة المنورة تعاديها داخل الجزيرة العربية قبيلة قريش- زعيمة القبائل العربية - ومن ورائها الإمبراطوريتين الفارسية والبيزنطية - أكبر امبراطوريتين آنذاك، ماذا سيكون مصيرها إن لم تؤمِّن جانبها. علمًا بأنّ فتوحات العراق وبلاد الشام ومصر كانت بمثابة تخليص شعوب هذه المناطق من احتلال دولتي الفرس والروم، والتي كانت تعاني أشد المعاناة من الاضطهاد بما في ذلك الضرائب الباهظة. فلو لم تبادر بالفتوحات لتعرَّضت حتمًا للهجوم من هاتين الدولتين للقضاء عليها. تعلَّمتُ أيضًا أنَّ الحضارة الحديثة قامت وبشكل أساسي على الحضارة العربية الإسلامية في مختلف مجالات العلوم والفنون والآداب، فكثير ممَّا تُرجم عن المؤلَّفات العربية ظلَّ يُدرّس في الجامعات الأوربيَّة حتى القرن 18.
خلاصة القول إنّ دراستي للتاريخ جعلتني إنسانة قوية أقف على أرض صلبة مُتجذِّرة في أعماق صخور قويَّة لا يستطيع العدو أن يتمكَّن منها، خلاف من يتجاهل دراسة تاريخنا فنجده ريشة في مهب الريح يُحرِّكه العدو كما يشاء ولا يستطيع أن يصمد أمام التَّيارات أو التَّحدِّيات. من المؤسف حقًا نسمع أصواتًا منّا تطالب بإلغاء أقسام التاريخ من جامعاتنا بينما نجد أعداءنا جاهدين في تشويه تاريخنا وتزويره.

******
(كنتم خير أمة أُخرجت للنّاس)
الفصل الخامس :كنتم خير أمَّةٍ أخرجتْ للناس

تمهيد
حين يدَّعي الإسرائيليون أنَّ العرب مُحتلُّون لأرض فلسطين وأنَّ الأردن جزء من أرض إسرائيل، أقول لهم :
1.    كم كان عددكم قبل خمسة آلاف سنة حين رحل الكنعانيون من الجزيرة العربية واستقرُّوا في فلسطين، حتى تُكَوِّنوا شعبًا لدولتي فلسطين والأردن، إذا كان عددكم الآن في أنحاء العلم كله وفقاً لموقع المستوطنين 7 الالكتروني، نقلاً عن الإحصاء « الإسرائيلي »، بلغ 14.411 مليون يهودي‏‫؟
2.    قبل الانتداب البريطاني على فلسطين كان عددكم بها فقط خمسون ألفًا في حين كان يزيد عدد الفلسطينيين عن المليون والنصف. كيف نوفِّق بين هذه الأعداد وكون فلسطين والأردن لإسرائيل؟
3.    حين تدَّعون أنَّه لا توجد بقعة في هذه المنطقة العربية إلاَّ كان لليهود فيها أثر، وأنَّ كل الحضارات التي مرَّت على هذه المنطقة كان لليهود دور فعَّال فيها، فأنتم تناقضون أنفسكم، كيف تدَّعون أنَّ العرب مُتخلِّفون، وفي نفس الوقت تعترفون بقيام حضارات عربية عديدة قامت بالمنطقة العربية؟
  فلو استطاع اليهود كأفراد المشاركة في الحضارات التي مرّتْ على هذه المنطقة هذا يعني أنَّ العرب لم يكونوا متخلِّفين حضاريًا، بل العكس كانوا متحابين متعايشين مُتآلفين مع جميع فئات المجتمع على اختلاف أجناسهم ودياناتهم، وهذا قمَّة التَّحضُّر والرقي.
   لقد أنصف التاريخ العرب ، فهذا البحث يُوَضِّح أنَّ الحضارة الحديثة قامت وبشكل أساسي على الحضارة العربية الإسلامية في مجالات مختلفة كالفن والعمارة والطب والصيدلة والفلك والرياضيات والزراعة والموسيقى واللغة والتكنولوجيا والكيمياء والفيزياء والجيولوجيا وحساب المثلثات وعلم البصريات وغيره، من القرن 11 إلى القرن 13، نهلت أوروبا المعرفة من الحضارة الإسلامية، عن طريق نقل الكلاسيكيات وبالأخص أعمال الفيلسوف الأغريقي أرسطو، بعد ترجمتها من العربية خلال القرنين(11، 12)، رحل العديد من المسيحيين إلى الأراضي الإسلامية لطلب العلم، أيضًا خلال القرون(11- 14)، درس العديد من الطلبة الأوروبيين في مراكز العلوم الإسلامية  تلك العلوم.
العلوم القديمة
     بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية وبداية العصور الوسطى لم تكن العديد من النُّصوص القديمة متاحة للأوروبيين. كان الوضع على العكس تمامًا في الشرق، تُرجمت العديد من النُّصوص الإغريقية(كأعمال أرسطو) والعديد من تلك النصوص حُفظت وتُرجمت وتطورّْت في العالم الإسلامي، وخاصة في مراكز العلم كبغداد التي كان بها “بيت الحكمة”، والذي ضم الآلاف من المخطوطات. وبحلول عام 832ه تُرجمت تلك النصوص مرة أخرى إلى اللغات الأوروبية في العصور الوسطى، كما لعب المسيحيون الشرقيون دورًا هامًا في نقل تلك المعرفة؛ إذ نشطوا في الترجمة من اليونانية إلى السريانية ومن ثم للعربية وخاصًة في عهد الدولة العباسية؛ حيث كان معظم المترجمين في بيت الحكمة من اليعاقبة والنساطرة وعملوا بشكل خاص في حقول الطب والرياضيات والفيزياء والفلك فاعتمد عليهم الخلفاء، ثم تُرجمت تلك النصوص ثانيةً إلى اللاتينية من خلال طرق مختلفة. كانت أهم مراكز نقل العلوم الإسلامية إلى أوروبا في صقلية وطليطلة.
ساهم العالم الإسلامي بمساهمات عظيمة في علم الجبر والخيمياء( الخيمياء هي ممارسة قديمة ترتبط بعلوم الكيمياء والفيزياء والفلك والفن وعلم الرموز وعلم المعادن والطب والتحليل الفلسفي) والكيمياء والجيولوجيا وحساب المثلثات الكروي، وغيرها، ومنه انتقلت إلى الغرب. ترجم ستيفن البيزي عام 1127، كتيبًا عربيًا حول النظرية الطبية إلى اللاتينية. طوّر الخوارزمي (من اسمه اشتقت كلمة “خوارزمية”) طريقة لأداء العمليات الحسابية باستخدام الأرقام العربية في القرن التاسع، والتي نقلها ليوناردو فيبوناتشي إلى أوروبا، كما تُرجم كتاب المختصر في حساب الجبر والمقابلة للخوارزمي عام 1145. كانت لابن الهيثم مؤلفات في علم البصريات، اعتمد عليها إسحاق نيوتن ورينيه ديكارت كمصادر في أبحاثهم. وكانت أيضًا العلوم الطبية متطورة للغاية عند المسلمين، بشهادة المشاركين في الحملات الصليبية، الذين اعتمدوا على الأطباء العرب في أكثر من مناسبة، اهتم الأوروبيون بالفلسفة الإغريقية والنصوص العلمية (وبالأخص المجسطي) التي لم تكن متواجدة باللاتينية في غرب أوروبا، ولكنها حُفظت وتُرجمت إلى العربية في العالم الإسلامي. ويقال إنّ جيراردو الكريموني رحل إلى طليطلة وتعلم العربية "لحبه للمجسطي"، وهناك استغل "وفرة الكتب بالعربية في كل المواضيع". كانت الأندلس وجنوب إيطاليا أكثر المناطق إنتاجًا في نقل العلوم، نظرًا للتقارب بين العلماء متعددي اللغات. ترجم هؤلاء العلماء العديد من النصوص العلمية والفلسفية من العربية إلى اللاتينية.ترجم جيراردو الكريموني وحده 87 كتابًا من العربية للاتينية .
الكيمياء
 اعتمد علم الكيمياء الغربي تمامًا على المصادر العربية. فقد كانت الترجمات اللاتينية لأعمال جابر بن حيان في الخيمياء المرجع الأساسي لعلماء الكيمياء الأوروبيين،  منها كتاب الكيمياء الذي ترجم في أوروبا بعنوان كتاب تراكيب الكيمياء (بالإنجليزية: Book of the Composition of Alchemy))، الذي ترجمه روبرت من شيستر عام 1144،  فإنّها بلا شك كانت ذات تأثير عظيم على علم الكيمياء في أوروبا العصور الوسطى. كما ترجمت الأعمال الكيميائية للرازي إلى اللاتينية في القرن الثاني عشر تقريبًا. وترجع أصول العديد من الكلمات التقنية الكيميائية إلى كلمات عربية مثل  alkali ( قلوي)، والتي انتقلت إلى العديد من اللغات الأوروبية وأصبحت جزءًا من المصطلحات العلميّة.
الفلك والرياضيات
ترجم أيضًا كتاب الزيج السانجاري للخازني إلى اليونانية على يد غريغوري شونيادس في القرن الثالث عشر، وكان يدرّس في الإمبراطورية البيزنطية. قادت التعديلات الفلكية التي أدخلها البتاني وابن رشد على نموذج مركز الأرض إلى النماذج غير البطلمية التي صنعها مؤيد الدين أوردي ونصير الدين الطوسي وابن الشاطر، والتي طوّرت بعد ذلك إلى نموذج كوبرنيكوس [الإنجليزية]. كما ترجمت كتب تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة والقانون المسعودي للبيروني إلى اللاتينية تحت اسم Indica وCanon Mas’udicus على الترتيب. وفي عام 1202، نقل ليوناردو فيبوناتشي نظام العد الهندي العربي بالأرقام العربية إلى أوروبا في كتاب Liber Abaci.
  كان لكتاب "القسي المجهولة في الكرة" لابن معاذ الجياني- وهو مخطوط في علم حساب المثلثات الكروي- أثره البالغ على علم الرياضيات في أوروبا، وقد ذكر جيرولامو كاردانو في القرن السادس عشر، أنَّ ريجيمونتانوس اعتمد في كتابه On Triangles على المراجع العربية، وبالأخص أعمال جابر بن أفلح. كما كانت أعمال فولبرت من شارتر، أقدم الدلائل على استخدام كلمات عربية مستعارة في النصوص اللاتينية.
الطب 
في أحد ترجمات جيراردو الكريموني، الذي ترجم العديد من أعمال العلماء المسلمين كالرازي وابن سينا كانت ترجمة كتاب القانون في الطب لابن سينا أحد أعظم أعمال الترجمة لكتب طبية، والذي ترجم إلى اللاتينية، ثم طبع وانتشر في أوروبا. ظل هذا الكتاب المرجع الأساسي في الطب في أوروبا، حتى بداية العصر الحديث، وخلال القرنين الخامس عشر والسادس عشر وحدهما، طبع الكتاب أكثر من 35 مرة. وقد كتب ابن سينا أيضًا كتاب الشفاء، والذي كان بمثابة موسوعة عامة في العلوم والفلسفة، وقد حظي هذا الكتاب أيضًا بشعبية في أوروبا. كتب أبو بكر الرازي كتاب الحاوي في الطب، ميّز فيه بين مرضيْ الحصبة والجدري، وقد كان لهذا الكتاب أيضًا أثره في أوروبا. كما كتب الزهراوي كتاب التصريف لمن عجز عن التأليف، وهو موسوعة طبية اشتهرت بسبب قسم الجراحة بها. تضمن هذا الكتاب وصف ورسوم لأكثر من مائتي جهاز جراحي، العديد منها من اختراع الزهراوي نفسه. وقد ترجم جيراردو الكريموني جزء الجراحة في الكتاب إلى اللاتينية، واستخدم من حينها في كليات الطب الأوروبية لقرون، وظلوا يصدرون منه الطبعات حتى نحو عام 1770.
الفيزياء
   كان كتاب المناظر لابن الهيثم من أهم الأعمال الفيزيائية التي ترجمت، لما كان لهذا الكتاب من أقدمية في إجراء التجارب المبنية على منهج علمي، وفيه وضع نظرية في الرؤية والضوء فنّدت نظرية كلاوديوس بطليموس (تفترض نظرية بطليموس بأنّ الضوء ينبعث من العين، بينما أصر ابن الهيثم بأنّ أشعة الضوء هي التي تدخل العين)، والتي تعد أهم حدث علمي في هذا المجال حتى عصر يوهانس كيبلر؛ لذا فيعد كتاب المناظر نقطة انطلاق مهمة في تاريخ المنهج العلمي وتاريخ علم البصريات .
الموسيقى
تأثرت عددًا من الآلات الموسيقية المستخدمة في الموسيقى الأوروبية بالآت الموسيقى العربية، فتأثر الكمان بالربابة والجيتاربالقيثارة، وبعض الالآت النفخية بالزمر والزرنة m.بعض العلماء يؤكدون أنّ مقاطع الصولفيج (دو، ري، مي، فا، سول، لا، تي) مشتقة من نظام المقاطع العربي درر مفصّلات (دو، رر، م، فا، صا، لا، ت).
سرقة أرض، أم أيضًا سرقة تاريخ ؟
هذه بعض إسهامات العرب والمسلمين في بناء الحضارة الإنسانية، فماذا قدّم اليهود عبر التاريخ غير تزييف التاريخ والمؤامرات والغدر وإثارة الفتن والحروب،  وسرقة تراث الأمم والشعوب، بل وسرقة الأرض التي أقاموا عليها دولتهم، وحوّلوا معظم الدول المحيطة بهم إلى خراب ودمار وبرك دماء؟
  والذي حفّزهم على السرقة والتزوير أنّ تحتضن فلسطين إرثًا ثقافيًا وتراثيًا وتاريخيًا يعود تاريخه لأكثر من 5000 سنة. وكان  لموقعها الجغرافي دور هام ومتميّز في هذا المجال ، نظرًا للعدد الهائل من المواقع الأثرية وتعدد الحضارات التي تعاقبت عليها.
فبحسب وزارة السياحة والآثار فإنّ فلسطين تضم ما يقارب الـ 11 ألف موقعًا ومعلمًا أثريًا، منها ما يقارب 7000 موقعًا في الأراضي المحتلة عام 1967، إلى جانب 50 ألف مبنى من المباني التّاريخية والتُّراثية . فكل ما يمر على دولة فلسطين هو جزء من التّاريخ والتُّراث الفلسطيني، ويعتبر رمزًا للهوية الفلسطينية، وأحد مقومات التّنمية السياحية فيها.
كل هذا الثراء الثّقافي والتُّراثي التي تتمتع به أرض فلسطين، دفع الحركة الصهيونية على تأسيس " جمعية أبحاث أرض إسرائيل”
عام 1913 للبدء بإجراء أبحاث حول الآثار، في محاولة للسّطو على التّاريخ عبر تزوير الأدلة التي تثبت أكذوبة الرواية الصهيونيّة، بأحقّيتهم في أرض فلسطين .
وقد بدأت هذه الاعتداءات قبل عام 67، من خلال إجراء التنقيبات لربط التاريخ المزعوم بالاحتلال في فلسطين، حيث دمّر الاحتلال ما يقارب 450 قرية، ضمن سلسلة طويلة تهدف إلى جعل الشعب الفلسطيني بلا تاريخ ولا حضارة. كما تم تغيير معالمها إبان نكبة عام 1948، وشجّع ولا يزال على سرقة الآثار بطريقة غير مباشرة، من خلال تجنيد عصابات محليّة، وتهريبها من فلسطين"، حيث تم تهريب أكثر من مليون قطعة أثريّة منذ بداية الاحتلال.
فقد قام الاحتلال على أكذوبة أرض الميعاد والأجداد وبنى روايته عليها، وحاول ولا يزال تزوير التّاريخ وتغيير المسمّيات، لربط المواقع الأثرية به، وإيجاد صلة مع كيانه بهدف تشويه التّاريخ وتنسيبه إليه عبر سرقة المقتنيات الأثرية.
فمنذ 100 عام لم تتوقف تحت مدينة القدس الحفريّات الأثرية التي تجري تحت جُنح الظلام، باعتبار القدس مدينة محميّة ولا يجوز إجراء تنقيبات فيها حسب القوانين الدوليّة.
فالاحتلال يسعى وما يزال السعي جاريا حتى اللحظة.
إنّ أغلب ما يتمُّ سرقته، ونسبته 61% هو في المناطق المصنّفة "ج" الواقعة خارج السيطرة الفلسطينية، لصعوبة الوصول إليها .
حيث تقوم حكومة الاحتلال بعمل الحفريّات في المواقع الأثريّة، وسرقة محتوياتها، كما تقوم أيضا بتحويل المواقع الأثريّة إلى حدائق عامة، ومتاحف، ومن ثم تنظيم رحلات لهذه المواقع، ويتمُّ حرمان الفلسطينيين من زيارتها والتّعرف عليها عن قُرْب.
وشملت السّرقات أيضا 15% من نسبة المواقع الأثريّة الإجماليّة في الضّفة الغربية، بفعل جدار الفصل أي ما يزيد عن 1200 معلمًا أثريًا، وأخضعها بشكل كامل للاحتلال، وذلك في مخالفة واضحة للقوانين الدوليّة.
كما قام في العديد من المناطق بتغيير مسار الجدار، ليضم بعض المواقع كمسجد بلال. وخلال بناء الجدار، تمّ استخراج العديد من القطع الأثريّة، ونقلها إلى دولة الاحتلال، كما عمدت قوات الاحتلال في بعض المناطق، إلى تغطية بعض المواقع الأثرية بالرمال، وبناء الجدار الفاصل فوقها، كالكنيسة البيزنطية في بلدة أبو ديس، شرق مدينة القدس .
   جاء في كتاب(مَسْخُ الصُّورةِ … سَرِقة وتحريفُ تراثِ الأمّةِ)[1] البحث الذي يُعالج عملية التحريف
 الضخمة التي تعرّض لها التاريخ العربي القديم من قبل الغرب واليهود والحركة الصهيونيّة.
وممّا ورد فيه:
" اليوم بحمد الله كشف علم الآثار حقيقة
التحريف وكذب مزاعم اليهود في فلسطين يقول المفكر الفرنسي (بيير روسي) في كتابه “التاريخ الحقيقي للعرب” ” إننا لم نعثر حتّى اليوم على أثر ولا على أقل إشارة تجبرنا على التحدث عن عاصمة عبرية أو عن ملوك عبريين، ولم يسجل في أي مكان ما اسم داود أو سليمان، ولم تسجل في أي مكان الفتوحات الكبرى التي يمجدها العهد القديم".

كما شكك عالم الآثار الإسرائيلي إسرائيل فلنكشتاين من جامعة تل أبيب والذي يعرف بابي الآثار بوجود أي صلة لليهود بالقدس.

جاء حديث العالم الاسرائيلي في تقرير لصحيفة جيروساليم ريبورت الإسرائيلية ، الذي أكد لها أن علماء الآثار اليهود لم يعثروا على شواهد تاريخية أو أثرية تدعم بعض القصص الواردة في التوراة بما في ذلك قصص الخروج والتيه في سيناء وانتصار يوشع بين نون على كنعان.أكثر من ذلك حيث يشكك في قصة داوود الشخصية التوراتية الأكثر ارتباطاً بالقدس حسب معتقدات اليهود، ويقول أنه لا يوجد أساس أو شاهد اثبات تاريخي على وجود هذا الملك المحارب الذي اتخذ القدس عاصمة له والذي سيأتي الميا) (من صلبه للإشراف على بناء الهيكل الثالث، مؤكداً أن شخصية داوود كزعيم يحظى بتكريم كبير لأنه وحد مملكتي يهودا وإسرائيل هو مجرد وهم وخيال لم يكن لها وجود حقيقي.

كما يؤكد فلنكشتاين أن وجود باني الهيكل وهو سليمان ابن داوود مشكوك فيه أيضاً، حيث تقول التوراة أنه حكم امبراطورية تمتد من مصر حتى نهر الفرات رغم عدم وجود أي شاهد أثري على أن هذه المملكة المتحدة المترامية الأطراف قد وجدت بالفعل في يوم من الايام .وإن كان لهذه الممالك وجود فعلي فقد كانت مجرد قبائل وكانت معاركها مجرد حروب قبلية صغيرة وبالتالي فإن قدس داوود لم تكن أكثر من قرية فقيرة بائسة .

أما فيما يتعلق بهيكل سليمان فلا يوجد أي شاهد أثري يدل على أنه كان موجوداً بالفعل. من جانبه قال رافاييل جرينبرج -وهو محاضر بجامعة تل أبيب -إنه كان من المفترض ان تجد ‘إسرائيل’ شيئا حال واصلت الحفر لمدة ستة أسابيع غير أن الإسرائيليين في مدينة داود بحي سلوان بالقدس يقومون بالحفر دون توقف منذ عامين ولم يعثروا على شيء.واتفق البروفيسور ‘يوني مزراحي’ – وهو عالم آثار مستقل عمل سابقا مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية – مع رأى فنكلشتاين..
وقال إريك مايرز أستاذ الدراسات اليهودية وعلم الآثار في جامعة ‘دوك’ الاميركية إن ما تقوم به جمعية ‘إيلعاد’ يعد نوعا من السرقة.



[1] .  كتاب " مَسْخُ الصُّورةِ … سَرِقة وتحريفُ تراثِ الأمّةِ "من إصدار جمعية التجديد الثقافية بالبحرين.

                                            ******
الفصل السادس : المقاومة الفلسطينية المسلحة بعد 1948
المقاومة الفلسطينية المسلحة بعد 1948
    بعد نكبة فلسطين وترحيل الشعب الفلسطيني وتأسيس الكيان الصهيوني جرى في 22/11/1948 حل جيش الإنقاذ الذي كانت تدعمه الجامعة العربية، كما حلت القوات الأردنية في 18/1/1949 جيش الجهاد المقدس الذي أسسه عبد القادر الحسيني في 14/12/1947 لإنقاذ عروبة فلسطين من الصهيونية.
رفض الشعب الفلسطيني النكبة والنتائج التي تمخضت عنها وتمسك بحقه المشروع في وطنه وفي أرض آبائه وأجداده، لذلك أخذ اللاجئون بالإغارة على مواقع الجيش الإسرائيلي وعلى قطعان المستوطنين، الذين أخذت «إسرائيل» تجلبهم من أصقاع الدنيا كافة وإحلالهم في منازل وأراضي الفلسطينيين الذين رحلتهم بالقوة والإرهاب والإبادة والمجازر الجماعية، واتخذت عمليات الإغارة والتسلل لإحضار أغراضهم الثمينة من منازلهم التي أجبرتهم "إسرائيل على الرحيل منها الطابع الفردي أو طابع المجموعات القليلة العدد.
   وأخذت عمليات الإغارة والتسلل تأتي بنتائج جيدة وتُدخل الرعب والقلق في نفوس المستوطنين اليهود وحكام إسرائيل، فقام جيش العدو الإسرائيلي باعتداءات متكررة منذ عام 1950 على الأردن. وفي الوقت نفسه منعت الدول العربية وبشكل خاص الأردن ولبنان الوجود المسلح لغير قواتها على أراضيها، مما أدى إلى تجريد القرى الأمامية من أبسط أنواع السلاح حتى للدفاع عن النفس. وتمادت إسرائيل في اعتداءاتها على قطاع غزة وعلى القوات المصرية المتواجدة فيه، ومنذ ذلك الحين دخلت العمليات الفدائية مرحلة منظمة وبدأت في نيسان 1955بإشراف الاستخبارات العسكرية المصرية، وشكلت مجموعات من الفدائيين الفلسطينيين الذين يعرفون المنطقة والمستعمرات اليهودية فيها، وكان رد الفعل السوري مشابهاً لرد الفعل المصري، فعلى أثر نكبة فلسطين والأطماع اليهودية في الأراضي السورية على بحيرة طبرية، والاعتداءات الإسرائيلية المتكررة على الأراضي والقوات السورية شكلت المخابرات العسكرية السورية كتيبة الاستطلاع 68 من الفلسطينيين لجمع المعلومات عن العدو. وتشكلت في الأردن مجموعات سرية كان الملحق العسكري المصري يشرف على تزويدها سراً بالأسلحة، وتمكنت المخابرات الإسرائيلية في 14/10/1956 من قتله بطرد متفجر، كما قامت بتصفية العقيد مصطفى حافظ في غزة.
    وأدى رفض إسرائيل عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم تنفيذًا لقرار الأمم المتحدة رقم 194، وتجاوزها للحدود التي عينتها لها الأمم المتحدة؛ وقيامها بالاعتداءات المتكررة على الأردن وقطاع غزة إلى إيمان الشعب الفلسطيني والأمة العربية بخيار الكفاح المسلح للعودة إلى الديار ولجم الاعتداءات الإسرائيلية، فتشكَّل في العراق نواةً لجيش التحرير الفلسطيني، وتدريب الضباط الفلسطينيين وكانت ثورة الجزائر في أوجها، مما أعطى الكفاح المسلح الفلسطيني مدًا وزخمًا عربيًا. ووضعت سورية إمكاناتها لدعم العمل الفدائي. وكذلك الحال في مصر. وعلى إثر تحويل إسرائيل مياه نهر الأردن إلى النقب دُعي لعقد أول قمة عربية بالقاهرة عام 1964 وأقرت إنشاء كيان فلسطيني يجمع إرادة الشعب الفلسطيني وتنفيذ مشروعات عربية بشأن استغلال مياه نهر الأردن وروافده لصالح الأقطار العربية.
تطور حركة المقاومة بعد حرب 1967م
  وانعقد مؤتمر القمة الثاني في أيلول 1964 وأقر الترحيب بقيام منظمة التحرير الفلسطينية، واعتماد إنشاء جيش التحرير الفلسطيني. وجاء تشكيل جيش التحرير الفلسطيني في بغداد وغزة والبيان الذي أصدرته قوات العاصفة، الجناح العسكري لحركة فتح في 1/1/1965 ليعلن عن انطلاقة العمل الفدائي المنظم. وأدت حرب السويس 1956، وحرب حزيران 1967إلى تدفق الشباب الفلسطيني والسوري واللبناني والأردني والمصري للالتحاق بالعمل الفدائي  لتحرير الأراضي التي احتلتها إسرائيل عام 1977، ودعمت الحكومات العربية العمل الفدائي بعد احتلال العدو الإسرائيلي للضفة الغربية من الأردن، وقطاع غزة من مصر، والجولان من سورية وبعض المناطق من جنوب لبنان. ولعب القادة العرب جميعًا الدور الأساسي في دعم الكفاح المسلح الفلسطيني، انطلاقاً من التصدي للمشروع الصهيوني والإمبريالية. وباشرت منظمة التحرير الفلسطينية عملها بتأسيس جيش التحرير الفلسطيني في قطاع غزة قبل نهاية عام 1964 وفتحت لها مكاتب ومقرات في الدول العربية، وأصبح وجودها جزءًا لا يتجزأ من الواقع العربي. وبهزيمة الدول العربية أمام إسرائيل 1967  حلَّ هدف “إزالة آثار عدوان حزيران” محل هدف “تحرير فلسطين”. فسقط الرهان نهائيًا على دور الجيوش العربية، وأصبح الشعب الفلسطيني يرى الاعتماد على نفسه في معركة تحرير وطنه، وتحوّلت ظاهرة الكفاح المسلح الفلسطيني إلى حركة مقاومة تحظى بتأييد شعبي واسع، ولم يعد الفلسطيني هو اللاجئ أو المشرد، بل أصبح هو الفدائي الذي يحمل السلاح.
  تبنت قيادة “فتح” توجهًا يقضي ببناء قواعد ارتكازية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، تبدأ بعمل فدائي انتقائي ومحدود قبل أن تتطور إلى حرب عصابات كلاسيكية وأوكلت قيادة الحركة إلى ياسر عرفات مهمة العمل على بناء هذه القواعد في الضفة الغربية المحتلة، فقاد هذا الأخير فريقًا من 30 رجلاً، وأقام مقر قيادته في نابلس. ويوم 28 آب/ أغسطس، أعلنت حركة “فتح” بدء العمليات القتالية في الضفة الغربية، وقد واجهت الحكومة الإسرائيلية توجه “فتح” ومنظمات المقاومة الأخرى هذا بحملة أمنية واسعة، وعمل الجيش الإسرائيلي على فرض نظام حظر التجول في مناطق عدة، وأسفرت تلك الحملة، في نهاية سنة 1967، عن استشهاد واعتقال المئات من الفدائيين والمناصرين، وعن انحسار ظاهرة العمل الفدائي المسلح في الضفة الغربية. من الصحيح أنّ هذا العمل حافظ على زخمه في قطاع غزة حتى سنة 1971، إلا أنّ الآمال بإمكانية بناء قواعد ارتكازية للمقاومة المسلحة في الأراضي الفلسطينية المحتلة كانت قد تبددت، الأمر الذي فرض انتقال مركز الثقل في نشاط حركة المقاومة العسكري والسياسي إلى خارج هذه الأراضي، حينئذ برزت الحاجة إلى البحث عن “ملاذات آمنة” في الدول العربية المحيطة بفلسطين.
تحوّل الضفة الشرقية لنهر الأردن إلى أكبر منطقة انطلاق للمقاتلين الفلسطينيين
  وكان واضحًا أنّ الأردن هو المرشح الأول، وسرعان ما تحوّلت الضفة الشرقية لنهر الأردن إلى أكبر منطقة انطلاق للمقاتلين الفلسطينيين، وإلى ممر رئيسي للتسلل إلى الأراضي المحتلة. ومن جهة أخرى، ساعدت قواعد الفدائيين الفلسطينيين التي أقيمت في سورية في النصف الثاني من سنة 1968 على تمدد الوجود الفدائي الفلسطيني إلى الجنوب اللبناني في 21 آذار 1968، وقعت معركة كبرى في بلدة الكرامة الأردنيّة الصغيرة، في غور الأردن، بين القوات الإسرائيلية ومجموعة مشتركة من مقاتلين فلسطينيين وجنود الجيش الأردني، أسفرت عن تكبيد الجيش الإسرائيلي، على الرغم من نجاحه في تدمير قاعدة المقاتلين الفلسطينيين في البلدة، خسائر فادحة نسبيّاً بالمقارنة مع خسائره في حروبه السابقة. وأدّت أخبار تلك المعركة وصمود المقاتلين الفلسطينيين فيها إلى تزايد شعبية حركة المقاومة الفلسطينية التي شهدت انضمام عشرات الآلاف من المتطوعين الفلسطينيين والعرب إلى صفوفها. كما كان لصمود المقاومة الفلسطينية في تلك المعركة تداعيات مهمة على الصعيد الرسمي العربي، إذ سارعت المنظمات الفدائية إلى فتح مكاتب لها في مدينة عمان وفي مخيمات اللاجئين على مرأى من الحكومة الأردنية، وقام الملك السعودي فيصل باستقبال وفد قيادي من حركة “فتح” وتعهد له بدعم مالي كبير، كما تطورت علاقات “فتح” بمصر، بعد سورية، إلى مستوى التحالف الاستراتيجي، اُرسلت مصر شحنة سلاح كبيرة إلى الحركة تعويضًا عن خسائرها في معركة الكرامة، وازداد عدد مقاتليها الذين يتلقون التدريب في مصر.
المقاومة الفلسطينية بعد اتفاقية كامب ديفيد
   وبخروج مصر في عهد السادات عن الصف العربي بتوقيع اتفاقية كامب ديڤيد مع إسرائيل، اعترضت جميع الدول العربية على ما سمِّي باتفاقية السلام وحدثت مقاطعة تامَّة بين جميع الدول العربية ومصر السادات. وانقطع الدعم العربي لمصر لتخلِّيها عن القضية الفلسطينية ، وتوقَّفت هيئة التصنيع العربي التي كانت تهدف إلى تصنيع كل ما تحتاجه البلاد العربية من سلاح دفاعًا عن القضية.
أصر ياسر عرفات على مواصلة الكفاح المسلَّح.
الانتفاضة
قام الفلسطينيون بعدة ثورات ضد الوجود الإسرائيلي في فلسطين منذ بداية الهجرات اليهودية وحتى الفترة المعاصرة، وقد عرفت هذه الثورات باسم «الانتفاضات»، واختلفت الأسباب التي أدت إلى قيام كل منها، لكنها جميعها تتمحور حول رفض الكيان الإسرائيلي والمطالبة بالحقوق المدنية والدينية للمسلمين والمسيحيين. وأولى هذه الانتفاضات كان ثورة البراق سنة 1929 بسبب ادعاء المهاجرين اليهود بأحقيتهم في امتلاك حائط البراق ليتلون صلواتهم عنده، والثورة الفلسطينية الكبرى في 20 نيسان 1936 ، وامتدت حتى عام 1939 للمطالبة بوقف الهجرة اليهودية إلى فلسطين، والانتفاضة الفلسطينية الأولى أو انتفاضة الحجارة سنة 1987، والانتفاضة الفلسطينية الثانية، أو انتفاضة الأقصى، اندلعت في 28 سبتمبر 2000 وتوقفت  في 8 فبراير 2004 باستشهاد الر/ذيس ياسر عرفات۔بعد اتفاق الهدنة الذي عقد في قمة شرم الشيخ ... والانتفاضة الفلسطينية الثالثة أو انتفاضة السكاكين سنة 2015.
 تُشكِّل انتفاضة الأقصى فترة جدًا هامَّة من تاريخ النِّضال الفلسطيني ضدَّ العدوّ الإسرائيلي، تصاعدت فيها وتيرة الأعمال العسكرية بين المقاومة الفلسطينية والجيش الإسرائيلي، مرَّت خلالها مناطق الضفَّة الغربية وقطاع غزة بعدَّة اجتياحات إسرائيلية: منها الدرع الواقي وأمطار الصيف والرصاص المصبوب، خلالها جاء حصار الرئيس ياسر عرفات في منزله برام الله الذي استمر ثلاث سنوات، انتهي بتسميمه ومن ثَمَّ وفاته سنة 2004م .
   لا أنسى صرخاته وهو محاصر في داره ” ما بِدُّهُمْشِ سلام، ويُكرِّرها ما بِدُّهُمْش سلام”
، بل أيضًا حُرِّم على الشعب الفلسطيني المقاومة الشعبية وإن كانت مظاهرات سلمية، وإلاَّ يتعرَّضون للاعتقال والطخ بأعيرة مطاطيَّة أو نَّارية. كل هذه الأحداث الخطيرة تحدث دون أن نسمع صوت احتجاج على إسرائيل، أو تأييد لهذا الشعب المقهور يُطالب بوقف هذه الأعمال الإجرامية التعسفية.

******

الفصل السابع :عهد التميمي رمز المقاومة الشعبية المقاومة الشعبية

    تحية إلى أبناء فلسطين  العظام  في مختلف المُدن والقرى والمخيمات الفلسطينية , فمسيرات الغضب التي يعبر عنها أبناء هذا الشعب بكل عزة وشموخ وإباء بصدورهم العارية في مواجهة آلة الحرب الإسرائيلية , وكما فعلوا من قبل وسطّروا أروع نماذج الصمود والتضحية والفداء خلال هبّة الدفاع عن المسجد الأقصى , يخوضون اليوم مهمة الدفاع عن القدس وحماية المسجد الأقصى والمقدسات الإسلامية والمسيحية في المدينة المقدسة وعن كامل أرض فلسطين المحتلة , وسيواصلون معركة التصدي للقرار الأمريكي العنصري الذي انتهك كل القيم والأعراف , ومثّل اعتداءً سافرًا على هذا الشعب وحقوقه الوطنية , حتى إسقاط هذا القرار , الذي لن يُنشئ حقًا ولن يغير وضعًا مسنودًا بقوة احتلال غاشم , ولن يُبدل الهوية الحضارية العربية الإسلامية للمدينة الخالدة , مهما بلغت التضحيات . 
3 شهداء يرفعون عدد ضحايا جرائم الاحتلال لـ 118 شهيدا منذ انطلاق "مسيرات العودة" منهم 64 فلسطينياً استشهدوا برصاص الاحتلال، فيما أصيب أكثر من 3 آلاف آخرين"، تزامناً مع نقل السفارة الأميركية للقدس المحتلة، ولإحياء الذكرى السبعين "للنكبة". 
رصاص حي يُطلق على مسيرات سلمية ومقاومة شعبية ومع ذلك لم تستطع قوات الاحتلال إخراس الفلسطينيين أو الحد من مقاومتهم ، ولتكن الطفلة عهد التميمي مضرب المثل للمقاومة الشعبية ورمز البطولة والوطنية، وإن كانت لشدة وطنيتها ولبراءتها الطفولية قد غُرّرت بالشعارات الزائفة لأحد تجّار القضية الفلسطينية، ولم تدرك أبعاد أعماله وأثرها على المنطقة العربية !

كيف تكوَّنت الروح الوطنية , النضالية لدى عهد التميمي؟

  تُشكِّل انتفاضة الأقصى - 28 سبتمبر 2000 - 8 فبراير - 2004 فترة جدًا هامَّة من تاريخ النضال الفلسطيني ضدَّ العدوّ الإسرائيلي . تصاعدت فيها وتيرة الأعمال العسكرية بين المقاومة الفلسطينية والجيش الإسرائيلي . مرَّت خلالها مناطق الضفَّة الغربية وقطاع غزة بعدَّة اجتياحات إسرائيلية : منها الدرع الواقي وأمطار الصيف والرصاص المصبوب ، خلالها جاء حصار الرئيس ياسر عرفات في منزله ب رام الله الذي استمر ثلاث سنوات , أنتهى بتسميمه ومن ثَمَّ وفاته سنة 2004م .
لا أنسى صرخاته وهو محاصرًا  في داره " ما بِدُّهُمْشِ سلام ويُكرِّرها ما بِدُّهُمْش سلام "
في هذه الأجواء العصيبة من تاريخ فلسطين ولدت عهد التميمي بعد ستة أشهر من اندلاع انتفاضة الأقصى . كانت والدتها تعيش أقصى انفعالاتها الوطنية النضالية وعهد في أحشائها ممَّا أدَّى إلى انتقال هذه الانفعالات إلى جنينها الذي كان في طور التكوين , فضلاً عن الجينات النضالية الموروثة من أبويها . فكثير من عائلتها من جهة الأبوين ما بين معتقل وشهيد . فوالدها أُعْتُقِل إحدى عشر مرة ووالدتُها أُعتُقِلتْ خمس مرات وأُسْتُشْهِدَ خالها وعمَّتها . بالإضافة إلى قريتها قرية النبي صالح النضالية, فبالرغم أنَّها تتكون من 600 شخصًا إلاَّ أنَّها أخذت على عاتقها إقامة مسيرات بعد صلاة كل جمعة على الدوام حاملين كاميراتهم لتصوير ما يحدث أثناء المسيرة وبثِّه على السوشيال ميديا . ومرارًا وتكرارًا اقتحم جند الاحتلال منزلهم لمضايقتهم وتخويفهم وتهديدهم بالاعتقال

كما يُقال الإنسان إبن بيئته , فهذه هي البيئة والأجواء التي عاشتها وتعايشتها عهد التميمي .
كلمات عهد التميمي في أقل من دقيقتين تعلِّم العالم كيف تكون الوطنية , الشجاعة , الكرامة , التضحية , الفداء.
   الرصاصة اللي بتقتل ناس بتزيدنا قوة " , "السجن مش راح يخوِّفنا" , راح نضل نكمِّل مسيرتنا النِّضالية , إحنا اخترنا طريق المقاومة ولازم نتحمَّل شو بيصير علينا , شو بنخسر نتحمّل كل الخسائر , كل شيء فدا فلسطين , يشرِّفنا نموت شهداء لفلسطين , فلسطين ربَّتنا ما نخافش من أشكال زي أشكالهم , أيضًا تقول"من حق شعبنا يختار المقاومة المسلَّحة أو المقاومة الشعبية ". إذا ضلِّينا في بيوتنا, مين بدُّه يحررها ؟ بتستنوا صلاح الدين يجي يحررها ؟ ليش ما نصنع من حالنا صلاح الدين واحنا نحررها ؟
لا أتمالك أن أقابل كلماتها هذه إلَّا بالبكاء , حسرةً على معاناة هذا الشعب البطل , وفي نفس الوقت فرحةً بهذه الطفلة التي أصبحت أيقونة البطولة والفداء ورمز الوطنية والمقاومة الشعبية , فرضت نفسها على العالم
حتى أصبحت صورها في محطات حافلات العواصم الأوربيَّة ولُقِّبت بالامرأة الخارقة .
 تحية جليلة لهذه الأيقونة الرائعة ولأسرتها ولجميع عائلة التميمي , ساكني قرية النبي صالح , والتي تشكل بمقاومتها العنيدة شوكة في حلق السلطة الإسرائيلية .

عهد التميمي وصاحب چيڤارا

   أحب أيقونة جيفارا الفنان الإيرلندي الشهير جيم فيتزباتريك يبدع لوحة جديدة لعهد التميمي قبل 50 عامًا، أبدع الفنان الإيرلندي الشهير جيم فيتزباتريك، لوحة الثائر تشي جيفارا، والتي لقيت رواجًا كبيرًا وأصبحت أيقونة ثورية عالمية. وبعد أن أخذت قضية الفتاة الفلسطينية عهد التميمي بعدًا دوليًا، أبدع الفنان فيتزباتريك لوحة جديدة تجسد بطولة عهد التي اعتقلت من قبل قوات الاحتلال الإسرائيلي، في الـ19 من ديسمبر (كانون أول) بعد صفعها جندياً إسرائيلياً اعتدى على منزلها.
 ويطمح الفنان الإيرلندي، بأن تصبح اللوحة أيقونة عالمية جديدة. وقال فيتزباتريك خلال لقاء مع مجلة "نيوزويك" الأمريكية الثلاثاء، إنَّ عهد هي من تستحق بكل جدارة لقب (wonder womem) "المرأة الخارقة".
وطالب عدد كبير من المؤسسات الحقوقية الدولية الاحتلال الإسرائيلي بالإفراج عن عهد التميمي، لكن تواصل السلطات الإسرائيلية سجنها موجهة لائحة اتهام لها مكونة من 12 بندًا.
وقال الفنان فيتزباتريك: "لقد تابعت قصة عهد منذ البداية، ودفعني شعور خاص بأن أقدم دعمًا حقيقيًا لها".
وأضاف، أن "عهد الطفلة، تمثل نضالًا نبيلًا في وجه احتلال ظالم". وتابع: "بغض النظر عن مصدر الشجاعة التي تمتلكها والقوة الحقيقة التي تبديها، صداها ملأ العالم، وحرك شعورًا خاصًا في داخلي، وشحذ فرشاتي لترسمها إيماناً مني بأن تلك الفرشاة أكثر قوة من أقوى سيف".
وعقب الفنان الإيرلندي، على تصريح مسؤول إسرائيلي طالب بسجن عهد إلى الأبد، قائلًا إنه "أمر مروع، أنا خائف عليها، قد يقتلونها. لذا أنا أقوم بواجبي تجاهها".
وفي لوحته الجديدة، صور الفنان، عهد وهي تحمل العلم الفلسطيني مدوناً أسفلها عبارة هناك "امرأة خارقة" حقاً.
ويعد استخدام الفنان فيتزباتريك لعبارة "امرأة خارقة" لوصف عهد التميمي، ردًا على الفيلم الشهير "ووندر وومن" الذي هو من بطولة الممثلة الإسرائيلية والمجندة السابقة غال غودات، المعروفة بمواقفها المساندة لجيش الاحتلال.
وأشار الفنان الإيرلندني، إلى أنّ "غودات مجندة سابقة ومناهضة لحقوق الفلسطينيين، لا أظنها تستحق هذا الوصف، هناك طفلة فلسطينية تدعى عهد التميمي تستحقه بكل جدارة".
ويعارض الفنان الشهير الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية والقدس الشرقية بعد حرب 1967
   وممّا كتبته الصحافة بهذا الشأن الآتي:

عهد التميمي بطلة لوحة رسّام تشي غيفارا الشهير
هل تتحول صورة التميمي إلى رمز عالمي؟
 20 فبراير، 2018

كيو بوست – 
خلال الأيام الماضية، أصبحت الطفلة الفلسطينية عهد التميمي رمزًا للنضال الفلسطيني ضد الاحتلال الإسرائيلي، وخصوصًا بعد اعتقالها في 19 ديسمبر الماضي، بعدما شن نشطاء إسرائيليون حملة تحريض واسعة ضدها، مطالبين باعتقالها، على خلفية ظهورها في مقطع فيديو تطرد فيه جندييْن إسرائيلييْن من باحة منزلها، كانوا قد اختبئوا فيه لنصب كمين للشبان الفلسطينيين المتظاهرين في قريتها “النبي صالح” بالقرب من مدينة رام الله.
ولم تكن هذه هي المواجهة الأولى ما بين عهد وجنود الاحتلال، فحين كانت في الثانية عشرة من العمر، لاقى فيديو تظهر فيه عهد تواجه الجنود بشجاعة، في محاولة لتحرير شقيقها الطفل من قبضة الاحتلال، رواجًا كبيرًا بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي، وعبر وسائل الإعلام العالمية.
   بعد ذلك تصدرت المقاومة التي تبديها قرية النبي صالح في مسيراتها الأسبوعية ضد الاحتلال المشهد في كثير من وسائل الإعلام، قبل أن يحوز خبر اعتقال عهد الأخير، على صدى أكبر حول العالم، ما دفع العديد من النشطاء ومؤسسات حقوق الإنسان إلى التضامن معها، ومحاولة الضغط على الاحتلال للإفراج عن الطفلة الأسيرة.
عهد التميمي بطلة لوحة رسام تشي غيفارا
     قبل خمسين عامًا من الآن، شارك الفنان الإيرلندي جيم فيتزباتريك لوحته الشهيرة باللون الأحمر للثوري الماركسي تشي جيفارا للعالم كله، وسرعان ما تحولت هذه الصورة إلى رمز عالمي للمقاومة. ولكن هذه المرة لم يقم فيتزباتريك برسم زعيم عالمي أو قائد عسكري؛ بل قام برسم طفلة فلسطينية لا يتجاوز عمرها 17 عامًا.
ونشر الفنان الإيرلندي هذه اللوحة التي أطلق عليها “المرأة المعجزة الحقيقية” على موقعه الخاص، مع إمكانية تحميلها مجانًا، في خطوة يطمح من خلالها أن تصبح أيقونة عالمية جديدة على غرار صورة جيفارا. والصورة الجديدة هي لفتاة تواجه 12 تهمة من بينها الاعتداء على أفراد من جيش الاحتلال اقتحموا باحة منزلها، وتهمة “التحريض على العنف”. وفي حال إدانتها بهذه التهم من جانب المحاكم الإسرائيلية، ستقضي عهد فترة طويلة في السجن.
يقول فيتزباتريك لمجلة “نيوز ويك” الأمريكية إنه “تابع عن كثب المحنة التي تمر بها عهد التميمي، ولذلك، شعر بأنه مضطر لتقديم الدعم لها بطريقته الخاصة، وهو لا يملك إلا قلمه وفرشاته”.
وفي لوحته يرسم الفنان الإيرلندي الشهير صورة لعهد ترفع العلم الفلسطيني، مكتوب على زاويتها “المرأة المعجزة الحقيقية”، في إشارة إلى اسم الفيلم الذي شاركت فيه الممثلة الإسرائيلية “غال جادوت” تحت اسم المرأة المعجزة، ليظهر أن المرأة المعجزة الحقيقية هي عهد، وليست تلك التي خدمت في جيش يقتل الأطفال يوميًا.
حملات عالمية لإطلاق سراح التميمي
   حظيت قضية عهد باهتمام إعلامي وشعبي واسع، خصوصًا في الأوساط الحقوقية والدبلوماسية، التي أعربت عن قلقها فيما يخص محاكمة عهد التميمي.
   وكانت التميمي قد حصلت على لقب “أشجع قلب لعام 2017” من مؤسسة القوقاز الدولية في تركيا، وذلك تقديرًا منها لشجاعتها وجرأتها في التصدي لجيش الاحتلال، إضافة إلى ذلك، وقّع كثير من الناشطين حول العالم العديد من العرائض التي تدعو للإفراج عنه؛ إذ يقول والد عهد، السيد باسم التميمي في تصريحات خاصة لـ”كيو بوست”: “تلقيت مؤخرًا خبر توقيع ما يقارب 10 ملايين امرأة هندية عريضة للمطالبة بالإفراج عن عهد”.وأضاف باسم التميمي قائلًا: “هذا يعني أن هناك 10 ملايين شخص حول العالم على الأقل قد سمعوا بقضية عهد وأطفال فلسطين والقضية الفلسطينية ككل ودعموها”. وبحسب التميمي، فإن هذا أكثر ما يزعج إسرائيل حاليًا من قضية عهد، هو المساندة العالمية التي تتلقاها، مما أثر على صورة إسرائيل، وكشف جرائمها للعالم.
  وقد سلط اعتقال الطفلة الفلسطينية الضوء على معاناة أكثر من 300 طفل فلسطيني يقبعون في سجون الاحتلال، يعيشون فيها ظروفًا قاسية، دون مراعاة لحقوقهم القانونية والنفسية؛ إذ يقول رئيس قسم المساءلة في الحركة العالمية للدفاع عن الأطفال عايد قطيش للعربية.نت: “بحسب إفادات 137 طفلًا تعرضوا للاعتقال، هناك 75% منهم تعرضوا لأشكال مختلفة من العنف الجسدي، في حين أن هناك 19% جرى احتجازهم في زنازين انفرادية لأغراض التحقيق”.
في حين أظهرت مؤسسات حقوقية فلسطينية، أن أكثر من 40 طفلًا في سجون الاحتلال كانوا قد أصيبوا بالرصاص، وبحسب هيئة شؤون الأسرى الفلسطينيين، فإن الأطفال كانوا خلال العامين الأخيرين الهدف الإسرائيلي الأول، الأمر الذي ظهر من خلال تزايد وتيرة اعتقالهم وإصدار الأحكام عليهم من قبل المحاكم العسكرية الإسرائيلية.

تميزت عهد التميمي بملامحها الجميلة  وشعرها الأشقر المتموج الذي تتهافت على مثله القلوب في وطننا العربي . كل الصفات كانت تؤهلها لأن تكون نجمة في عالم الموضة والجمال , كان من السهل على بنت مثلها أن تختار الرحيل من أرض متشبعة بالدماء , نحو عالم أرحب وأجمل في بلد حر وآمن ومرفه , ولكنها اختارت النضال رافعة شعار «إما النصر أو الشهادة». كلنا نرقب بإكبار ذلك الكفاح الفلسطيني المتأصل في نفوس الشعب الفلسطيني الحر , ذلك الكفاح المتوارث والجاري في دمائهم الطاهرة حتى ضمن استمرارية وديمومة بقائه في الجين الفلسطيني جيلاً بعد جيل. لكننا اليوم نقف أمام نموذج قلّ نظيره حتى في وسط زحام المناضلين الفلسطينيين الشرفاء , أمام طفلة راهن عليها العالم لما أمدها به الله من قوة وبسالة يفتقر إليهما كثيرون في كافة أصقاع الأرض , فـ«عهد التميمي» منذ طفولتها لم تمثل جيلها وأطفال بلدتها وحسب , وإنما مثلت شعباً كاملاً لم تستطع على تمثيل قضاياه حكومته ولا أنظمة الدول من حوله , تبنت النضال الفلسطيني الممتد لأعماق التاريخ بصورة جديدة أثبتت أنّ الحرية والكرامة الإنسانية فطرة قبل أن تكون ثقافة تكتسبها الشعوب من حضاراتها السابقة أو الخبرات المتناقلة إليهم عبر الأسرة والمدرسة وغيرها. عهد التميمي البالغة من العمر السادسة عشر عاماً أصبحت نموذجاً فريدًا للنضال والعروبة والأصالة والتمسك بالهوية والحق والشرف , بجرأة قل نظيرها , أثبتت قدرتها على مواجهة رشاشات الموت بقلب أسد رغم ملامحها الطفولية البريئة , وتحولت من طفلة ككل الأطفال الباحثين عن المرح واللعب إلى أيقونة عربية مشرفة , يؤكدها حجم المتابعين لها , وقبل ذلك اقتدارها في مواقف هزّت رجالاً وهددت عروشاً. وقد أشهدنا الله على عهد الطفلة الفلسطينية عهد في زمن تزايدت فيه الفاشينستات وأهل اللغو وتوافدوا إلى عالم الشهرة والأضواء من كل حدب وصوب.
وإن كانت عهد التميمي هي أيقونة المقاومة الشعبية الفلسطينية , إلاَّ أنَّها ليست الطفلة الوحيدة التي تُعاني من الإعتقال . هناك أكثر من ٤٠٠ طفلا يُعانون من الاعتقال نتيجة النزعة الانتقامية والوحشية للعدوّ . إسرائيل التي تمتلك جيشًا هو الرابع على المستوى العالمي تدَّعي أنَّ عهد التميمي ورفقائها من الأطفال يشكِّلون خطرًا عليها، يالها من سُخرية القدر . للمرة الأولى ما تدَّعيه أنَّ هؤلاء الأطفال خطر عليها وللمرَّة الثانية أن يقع على عاتق أطفال الأقصى نصيب كبير في الدفاع عن مقدَّساتنا العربية، ومع ذلك تقول عهد التميمي لما لا نجعل من أنفسنا صلاح الدين ؟

عهد التميمي أول طفلة في العالم تُمنح لقب سفيرة النوايا الحسنة من قِبل جامعة الحياة الجديدة بالسويد , والتي ستمنحها شهادة الدكتوراة الفخرية خلال هذا الأسبوع
مبروك يا فخر العرب . مبروك يا رمز البطولة والعزة والكرامة , يا بنت فلسطين , يا حفيدة الجبارين , يا خير المرابطين .
ستة عشر من العمر ! والروح عملاقة ! ستة عشر من العمر مع شخصيَّة خلاَّقة ! كسرتِ خوفك ! تصدَّيتِ لعدوِّك ! لم تهابي سلاحه ! تراءت لك يدك وكأنَّها سلاح مسلَّط على عدوِّك , فجاءت منك أشهر عضَّة أكلها جندي يهودي .
صورك في كل مكان في العالم , سيرتك على كل لسان , أصبحتي أعجوبة هذا الزمان
هنيئًا لعائلة التميمي . هنيئًا لقرية بني صالح بعهد ومثيلاتها الكُثر في هذه القرية المناضلة .
ما أروعك يا عهد أعرفك منذ زمن ولا أعرف من أنتِ . أسرتني بشجاعتك سحرتني بقوَّتك بإقدامك . فلسطينية مقدامة لا تهاب عدوها . هو مدجَّج بالسلاح وأنتِ مسلَّحةٌ بإيمانك بوطنك بفلسطينيتك الباسلة . تواجهي العدو ندًا لند . ارحل ارحل يا عدو هذا ما قالته عهد التميمي ، الطفلة الشجاعة المقدامة الحاصلة على جائزة حنظلة للشجاعة وهي ابنة الاثنا عشر  ربيعًا . هي رمز البطولة وأيقونة الجمال . جمالك الداخلي يا عهد البطولة والمجد يفوق بكثير جمالك الخارجي . اسمك يا عهد يُذكِّرُنا بعهد الله لنا ووعده بأنه مُتَمِّمٌ نصره لنا.

تخلَّت عن كل هدف خاص أو رغبة خاصة , لاهمَّ لها إلاَّ تحرير فلسطين . وهي لا تنتظر صلاح الدين ليحرر فلسطين . وإنَّما تقول لمَ لا نصنع من أنفسنا صلاح الدين ونحرر فلسطين ؟
 إطلاق سراح عهد التميمي
   هذا وقد تمّ إطلاق سراحها هي ووالدتها من المعتقلات الإسرائيلية في 29 يوليو عام 2018م بعد أن أمضت 8 أشهر فيها ، وقد اُستقبلت بحفاوة بالغة في قريتها (النبي صالح) ، كما دعتها بعض الدول الأوربية لتكريمها مثل أسبانيا وفرنسا، كما دعتها تونس.

******
خاتمة الكتاب
      وبعد هذا العرض المختصر والمُبسّط للقضية الفلسطينية منذ وعد بلفور إلى وقتنا الراهن ، أود أن أصحح خطأً وقع فيه كثير من المؤرخين والمحللين السياسيين بوصفهم ردود فعل الفلسطينيين في الأراضي المحتلة لما ترتكبه إسرائيل من جرائم في حقهم بأنّه صراع،  والسؤال الذي يطرح نفسه ، هو:
كيف يكون صراعًا بين فئة تمتلك كلَّ الحقّ وتفتقرُ إلى القوَّة، وأخرى لا تمتلك أيَّ حقٍ، ولها كلَّ القوَّة؟
خلال قراءاتي عن القضيَّة الفلسطينية، كثيرًا ما أجد عبارة" الصراع الفلسطيني الإسرائيلي" فهل حقًا ما يجري بين الفلسطينيين والإسرائيليين يدخل في دائرة الصراع؟ بمفهومي للصراع وما يتَّفق مع العقل والمنطق، أنَّه يكون بين فئتين مُتقاربتين في الحقِّ والقوَّة . فهل هناك تعادلاً في الحقِّ  ما بين الفلسطينيين والإسرائيليين؟ وكيف يكون لإسرائيل الحقّ في الأراضي الفلسطينية، والفلسطينيون هم أوَّل من سكنها قبل خمسة آلاف سنة؟ كيف يكون لليهود الصهاينة الحقُّ  وهم قبل الانتداب البريطاني على فلسطين1922م، كان عددهم لا يزيد عن خمسين ألفًا، بينما عدد الفلسطينيين آنذاك يزيد عن 1،5مليونًا؟
  بمعنى أنَّ اليهود كانوا أقليّة في المجتمع الفلسطيني، في حين كان عددهم في المانيا وحدها في الأربعينات من القرن المنصرم، يبلغ الملايين، وعلى حد مزاعمهم أنَّ ضحايا محرقة الهولكوست يبلغ ستة ملايين. أمَّا من حيث القوَّة، فكيف يكون التعادل في القوَّة ما بين الفلسطينيين واليهود؟، والفلسطينيون تعرَّضوا قبيل انسحاب قوات الانتداب 1948م، للتَّطهير العرقي من قِبَل اليهود، باستخدام أشرس أساليب العُنف والوحشيَّة،  فاقتلعوا 950 ألفًا من الأراضي الفلسطينية، فضلًا عن العدد المهول من الشهداء  نتيجة المذابح الشرسة. وأيضًا إثر انتصارهم في حرب1967م، هجَّروا حوالي 350 ألفًا، وحين دخلوا القدس، بدأت الجرَّافات في هدم الحي المغربي بالكامل، وبناء الحي اليهودي مكانه . ثُمَّ هل تتساوى القُوى حين حاول الفلسطينيون، استعمال حقَّهم المشروع في المُقاومة المُسلَّحة؟ ولنتذكَّر ما حدث حينما هبَّت انتفاضة الأقصى 2000-2004م . كان نتيجتها أن اجتاحت إسرائيل الضفة الغربية وقطاع غزة للعديد من المرَّات، انتهت باستشهاد الرئيس عرفات والقضاء التَّام على المقاومة المسلَّحة، بل أرادتْ إسرائيل أيضًا إخراس المقاومة الشعبية والتَّعرُّض للمتظاهرين بالأعيرة المطَّاطيَّة والقنابل الغازيَّة، وحين يستخدم المتظاهرون الحجارة في قذف الجند الإسرائيليين، يُعتقلون ويُتَّهمون بالإرهاب. ولنتذكر كيف اُعْتُقِلت الطفلة عهد التميمي نتيجة صَفْعِها لجندي يهودي اقتحم منزل أسرتها!
أيُّ مفهومٍ لصراع بين قوى يهوديَّة غاشمة، احتلَّتْ فلسطين وجلبتْ إليها عددًا مهولًا  من يهودي العالم، حتى أصبح عدد اليهود المقيمين بها حسب إحصائية 2013م، ستة ملايين وربع في حين كانوا قبل الانتداب خمسين ألفًا، وبين الشعب الفلسطيني الذي أصبح عدد لاجئيه التابعين للأونروا ستة ملاييين. بمعنى مُقابل كل فلسطينيٍّ يُقتلع من أرضه يُزرع مكانه يهودي؟
   أيُّ توازنٍ في القوى بين إسرائيل التي تحصل على الدعم اللامحدود من الولايات المتحدة، التي تُريد أن تُرغم الفلسطينيين على قبول صفقة القرن الهادفة إلى تصفية القضيَّة الفلسطينية؟
  حقيقة ما يفعله الفلسطينيون إزاء اليهود، ليس صراعًا، إنَّما هو ردَّة فعل شعبٍ حر أبيّ، تعرَّض للظُّلم والقهر، يُريد الحفاظ على أرضه وكرامته وشموخه! شعب عربي مسالم كل ذنبه أنَّه كان جزءًا من الدولة العثمانية التي هُزمت فى الحرب العالمية الأولى فتكالب على أملاكها الكلاب تنهش في أجزائها ويتقاسمها الذئاب ؟
  آمل أن أكون قد وُفِّقتْ في شرح القضية الفلسطينية بشكل واضحٍ ومُبسَّط ، وفقًا للحقائق والوقائع التاريخية المؤكدة عبر حلقات نشرت في جريدة المدينة . هدفي أن أؤكِّد أنَّ القضية الفلسطينية كانت وستبقى القضية العربية بالدرجة الأولى ، وأنَّ اغتصابها هو نقطة البداية لاحتلال باقي الدول العربية ، ومجريات الأحداث الحالية في البلاد العربية تؤكِّد نوايا إسرائيل في ذلك .
قال تعالى في كتابه العزيز :
(وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ ۚ وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ ۖ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ )[31].
وقبل أن أختم الكتاب، هناك بعض التساؤلات التي تطرح نفسها تنتظر الإجابة :
1.    هل المفاوضات التي يريدها ترمب هي من أجل إشاعة السلام الدولتين الفلسطينية والإسرائيلية ؟ أم هي من أجل تصفية القضية الفلسطينية ، لئلاَّ تقم لها بعد ذلك قائمة ، وإعطاء الفرصة الذهبية لتكوين دولة إسرائيل الكبرى ، وعاصمتها القدس الكبرى ؟ 
2.    وهل كل الضغوطات الشديدة الواقعة على الأونروا والتهديد بتفكيكها هي ورقة ضغط على الفلسطينيين بهدف الرضوخ لقرارات ترمب ؟ أم أنّْها أيضًا تهدف إلى تصفية قضيَّة اللاجئيين الذين يزيد عددهم عن ستة ملايين؟
3.    هل المهم ما تريده أمريكا وإسرائيل وفي الواجهة ترمب ؟ أم ما يريده خالق ترمب ؟ 
الأرض أرض الله، والشعوب خلق الله ، والأمر كله بيد الله . نحن به مؤمنون ، في عدله ونصره واثقون ، وعليه متوكِّلون



[1] .  انظر : ملحق رقم(8) الذي حوى على صور وثائقية للآثار الكنعانية، وصور لآثارلحقب تاريخية أخرى تؤكد على غنى فلسطين بالآثار وثرائها الحضاري.
[2] ۔ سفر التكوين: 21: 34.
[3] . سفر التكوين: الإصحاح 37: 1.
[4] ۔ حبرون هي مدينة الخليل عليه السلام ، سُميِّت باسمه عندما وفد إليها.
[5] . التكوين :الإصحاح 35: 27
[6] ۔ [6] ۔ ممّا يُلفت الانتباه أنّ هذه الأسماء جميعها: صهيون، يروشالايم( أورشليم( القدس، ليست أسماءً عبرية، أو يهودية، ولا يمكن ادعاء ذلك بأي وجه من الوجوه، وإنّما هي كنعانية، عرفت بها المدينة قبل أن يدخلها الإسرائيليون.[ أورشليم القدس في الفكر الديني الإسرائيلي: ص 18. 19.]

[7] .انظر: إشعياء:48/ 2.
[8] . نحميا : 11/1.
[9] ۔ مدينة داود هذه ليست هي أورشليم القدس.
[10] . مزمور: 147/12.
[11] . حزقيال : 16/3 .
[12] ۔ وهذا يُفسًّر لنا عدم ذكر مراجع في هذا الكتاب ، إضافة إلى أنّ الأحداث المعاصرة كانت شاهدة عيان عليها، فقد رصدت وسجّلت ما تشاهده وتسمعه يوميًا عبر قناتي فلسطين مباشر، وقناة فلسطين على مدار اليوم، ونجدها اكتفت بتوثيق النصوص الدينية من القرآن الكريم والعهد القديم ، والاتفاقيات الدولية.
 انظر: نص وعد بلوفر في الجزء الثاني الوثائقي ، ملحق رقم (2).[13]
[14] .طبقًا لما قاله فخامس الرئيس محمود عبّاس رئيس دولة فلسطين في كلمته في الأمم المتحدة في 27 سبتمبر عام 2018م.
[15] . الأعراف : 143.
 . محمد: 17.[16]
[17] ۔ المائدة: 22.